اهلا وسهلا بكم في موقع ناصريه . نت

المرأة في الدخيل الجائر من التراث
(الحلقة الثانية)


د. محمد الأزرقي
mjiyad@hotmail.com


تعرضت في الحلقة الأولی من هذه المقالة للأفکار الجائرة عن المرأة، التي وردت في الدخيل علی تراثنا، کما جاء في مخطوطة إبن البتنوني. ومن التراث أيضاً قصة رواها الجاحظ في الجزء الأول من (کتاب البخلاء) عن أهل البصرة من المسجديين إذ قال شيخ منهم، "ماء بئرنا ملحٌ أجاج لا يقربه الحمار، ولا تسيغه الإبل، وتموت عليه النخل. والنهر منا بعيد. وفي تکلـُّف العذب علينا مؤنة. فکنا نمزج منه للحمار، فاعتلَّ عنه، وانتفض علينا من أجله. فصرنا بعد ذلك نُسقيه العذب صرفا. وکنتُ أنا والنعجة کثيراً ما نغتسل بالعذب، مخافة أن يعتري جلودنا منه مثل ما اعتری جوف الحمار. فکان ذلك الماء العذب الصافي يذهب باطلا ... الخ الرواية." ونحن طبعاً لا يهمنا إن کان الشيخ الجليل قد استحم بماء عذب أو مالح، کما لا يعنينا حقيقة مع من استحم! لکن اللافت للنظر ان الرجل قد أشار إلی زوجته بـ "النعجة". وقد ورد في "لسان العرب" لأبن منظور "أن العرب تکنی بالنعجة والشاة عن المرأة".
ولربما يعود أصل الکناية الی مصادر من حکايا بني اسرائيل. تقول إحداها أن يعقوب النبي، عمل في شبابه في خدمة رجل ثري اسمه "لبان/لفان". وقد خُدع المسکين في زيجة کان يتوقع فيها ان ينال "راحيل" إبنة لبان/لفان الصغری الفائقة الجمال! لکن الأخير لم يفِ بوعده فزوجه إبنته الکبری "ليا" ألأقل جمالاً. ومع ان يعقوب اتخذ له خليلتين هما "زُلفی" و"بَلخی" اللتين ولدتا له عدداً من الأبناء {الشرعيين} بحسب الأعراف في أيامهم، الا أن نار الغرام في راحيل بقيت مستعرة في قلب يعقوب الی أن تمکن في النهاية أن ينالها. وهکذا جمع بين الأختين، ليا وراحيل، في زيجة واحدة وتحت سقف واحد. وهو أمر کان مقبولا أيضاً وفق أعراف أيامهم. ولدت راحيل ليعقوب ولداً سمَّاه "يوسف" لکنها توفيت خلال ولادة عسيرة للإبن الثاني "بنيامين"، فحزن يعقوب عليها إلی آخر أيام حياته. خلاصة القول ان معنی اسم الغادة الحسناء راحيل في العبرية، هو نعجة/شاة! ومن المعروف أيضاً ان مفاهيم مثل "الراعي" اشارة للمسيح و"القطيع" اشارة لاتباعه ومريديه و"الشاة التي ضلت طريقها" اشارة للشخص الذي حاد عن طريق الهداية، هذه المفاهيم شائعة في الأدب الأنجيلي والکتابات والتفسيرات التي تتردد في المواعظ والصلوات الکنسية.
وإذا کان لابن البتنوني والجاحظ العذر في ترديد افکار وکنايات قد تـُعتبر بالية في مقاييس زمننا الحاضر، فأن ما يثير الفزع حقاً ان نجد صداً لتلك الأفکار في وقتنا هذا. وخير مثال لذلك هو مقالة بعنوان "تحرير المرأة، عقم المفهوم وانتهازية التطبيق". صدرت المقالة المذکورة عن التجمع الأسلامي في أمريکا ونُشرت بالتعاون مع دار المنار الجديد العدد 19، الصادر في حزيران 2003. دعونا نعرض خلاصة الافکار التي وردت فيها.
تدعي المقالة أولاً أن حركة تحرير المرأة العربية درجت على الاحتفاء بقاسم أمين رائداً للتحرير، واعتبار كتابه "تحرير المرأة" البيان الثوري لها. لكن مفهوم "تحرير المرأة" مر بتحولات تجاوزت فكر قاسم أمين بمراحل نظراً لاختلاف "المرحلة" والظروف المحيطة، بالإضافة إلى الإنجازات التي تحققت. إن الاحتكاك الإرادي بالغرب كان الشرارة التي أحيت الكثير من الإشكاليات في الفكر العربي والإسلامي. وقضية المرأة إحداها، خصوصاً عند واضع دستور التحرير "قاسم أمين" الذي عاش في فرنسا من 1881 إلى 1885 ووضع كتابيه "تحرير المرأة" و "المرأة الجديدة" في 1889- 1900 متأثراً بأنموذج باهر عاينه في حضارة حديثة ومسيطرة.
وفي حمأة الثورة العارمة من أجل الحرية في مصر وغيرها، حيث كانت هناك مسيرة متعثرة منذ أول مشاركة دستورية حقيقية من 1866 إلى قيام الثورة العرابية لانتزاع الحق في المشاركة في السلطة، كان "تحرير المرأة" جزءً من مشروع البحث عن الحرية الشاملة. وفي لحظة الانبهار هذه يكمن تفسير التقلب الملحوظ في فكر قاسم أمين بين كتبه الثلاثة "المصريون" و "تحرير المرأة" و "المرأة الجديدة". في هذه المرحلة استند مفهوم "تحرير المرأة" إلى تحرير جسدها من الحَجب والحجاب، باعتبارهما ينتميان إلى التراث (نقيض العصر) في وقت كان المفهوم السائد للنهضة مرسيَّاً على القطيعة معه. وفي حين كان "الحجب" يستمد مشروعيته من خصوصية كل من الرجل والمرأة، هذه الخصوصية التي تفرض نفسها على مجال ونوع المهام التي يمارسها كل منهما. و"الحجاب" يستمد مشروعيته من اعتبار أن الجسد حامل للذة. في ذلك الحين بدأ "تحرير المرأة" بنزع الحجاب وتجاوز الحَجب باعتباره رمزاً إلى عمق الإحساس بالسجن والقيد الذي لا يستقيم مطلقاً مع قيمة الحرية على النمط العصري.
في سنة 1924 دخل مفهوم "تحرير المرأة" مرحلة التنظيم، حيث أسست هدى شعراوي الاتحاد النسائي بعد مشارکتها في مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي المنعقد في روما سنة 1922. ثم انعقد مؤتمر الاتحاد النسائي العربي سنة 1944 الذي لقي ترحيباً من بريطانيا والولايات المتحدة حتى إن زوجة الرئيس الأمريكي روزفلت كانت من ضمن المؤيدين. والمميز لهذه المرحلة أن ذلك كان يتم "طوعياً" وبترحيب خارجي. وتمضي المقالة الی الأدعاء أنه في مرحلة لاحقة تحولت تلك التنظيمات إلى مراكز استطالة لسلطة الغرب داخل المجتمعات العربية، على صورة مؤتمرات دولية تشكل وثائقها أجندة عمل التنظيمات النسائية بل والحكومات أحياناً. وفي هذا السياق يأتي مؤتمر المرأة الأول في مكسيكو عام 1975 تحت شعار "رفع التمييز ضد المرأة" ثم مؤتمر كوبنهاجن سنة 1980 ونيروبي 1985 ومؤتمر السكان والتنمية في القاهرة 1994 وبكين 1995. وعن هذه المؤتمرات وبالتنسيق مع قياداتها تحت مظلة الأمم المتحدة انبثقت المؤتمرات العربية حيث شهدت مصر ظهور أول قمة نسائية سنة 2000 شارك فيها تسع من زوجات الرؤساء. ثم قمة المرأة العربية سنة 2001 التي شهدت إنشاء منظمة عربية للمرأة لها استقلالها في إطار جامعة الدول العربية.
وإذا كان مفهوم "تحرير المرأة" لدى قاسم أمين ركز على الحجاب وتعدد الزوجات والطلاق ونحوها، فإنه أصبح أكثر تبلوراً نتيجة الاطلاع العميق على حركة التحرر الغربية والتشبع بأفكارها، خصوصاً من خلال الانخراط في التنظيمات الدولية والإقرار بمرجعية ما يصدر عنها من بيانات وتوصيات، بحيث أصبح جوهر فكرة "تحرير المرأة" يكمن في مطلب السيطرة دون الرجل أو في العلاقة مع الرجل بحيث تركز المؤتمرات على المرأة "الفرد" (أنا أولاً) و(حقوقنا الآن) الشعار الذي اتخذته سابقاً المنظمة القومية للمرأة التي أسستها رائدة التحرر "بيتي فريدمان" في أمريكا وذلك في مقابل أولويات الأسرة والأطفال. ومن ثم اعتبرت وثيقة بكين أن "الأمومة"، الدور الذي كانت تطمح إليه المرأة لتصبح رمزاً للعطاء وتستمد منه سلطتها وسطوتها، دور "نمطي" تقليدي، بمعنى الازدراء، لأنه مرتبط بالخضوع للرجل.
كانت المرحلة السابقة اقتصرت على الدعوة الفكرية، بدءاً من قاسم أمين، ثم التوصيات "غير الملزمة" مع مؤتمرات الأمم المتحدة، لکن المشروع دخل طوراً جديداً مع تبني بعض الأنظمة العربية والإسلامية له في محاولة استعجال تطبيقه بالدفع تجاه الحل السياسي من أعلى. وفي هذا السياق تأتي تعديلات قوانين الأحوال الشخصية بدءاً من مصر ثم في العراق بعد ثورتي تموز. ثم مشروع قانون "الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية"، كما سُميَّ، في المغرب وعدد من الدول، وأخيراً تعديل قانون الأحوال الشخصية في تركيا الذي أنهى سيادة الرجل على الأسرة وفرض مطالب "تحرير المرأة" كاملة وبدأ تنفيذه مطلع سنة 2002. ووفقاً للمقالة فأننا في هذه المرحلة، نجد أن المفهوم انتقل من مجرد "الثورة الفكرية" ليصبح "مطلباً اقتصادياً" وسياسياً باعتباره ركناً في "التنمية" ليتناسب مع توجهات مجتمع السوق والقيم الرأسمالية. وبهذا أصبح مفهوم الإلحاح على موضوع "عمل المرأة" ومنح القروض المالية من البنك الدولي للمرأة العاملة، هو الأمر الذي يبين تحول وسائل تنفيذ مشروع التحرير من مجرد بث الأفكار إلى التوصيات والتنظيمات ثم محاولة الفرض الحكومي الرسمي.
بعد هذا الاستعراض القصير تمضي المقالة الی ما تسميه قراءة نقدية للتنظيمات النسائية، فتقول إنه من اللافت للنظر تزايد النشاط النسوي في العالم العربي وتأسيس الكثير من التنظيمات النسوية، الحكومية وغير الحكومية، في البلد الواحد. فمثلاً وجد في الأراضي الفلسطينية، حسبما ذكر برنامج الأمم المتحدة للتنمية عن المنظمات النسوية، أكثر من (174) منظمة حتى عام 1993. وبعد اتفاق أوسلو في العام نفسه بدأت وتيرة النشاط النسوي في التزايد بشكل فاق التوقعات، حتى إنه ربما تجاوز غيره من الأنشطة الاجتماعية والسياسية الأخرى. وكذلك الأمر في كثير من الدول العربية هذا فضلاً عن المنظمات الحكومية والاتحادات النسائية المرتبطة بالتنظيم العالمي للمرأة. ومن المثير للجدل الدعم الأوروبي والدولي السخي لهذه التنظيمات والأنشطة وتمويل صندوق المرأة التابع للأمم المتحدة لها. وعلى سبيل المثال حصلت التنظيمات النسوية في الأراضي الفلسطينية على 5% من إجمالي المعونات الدولية المخصصة للأراضي الفلسطينية، حسب تقرير 1997، فيما لم يخصص للمجال الزراعي والصناعي إلا أقل من 1.2 % منها.
وبحسب الرأي الوارد في المقالة، أن أي تمويل إنما يتم لأهداف محددة وله شروطه ومحدداته السياسية والثقافية. ومن ثم تخضع الأولويات لتحديد الجهات المانحة مالياً والضاغطة سياسياً وثقافياً. كما أنه يتعين الالتزام بتلك الأولويات لضمان استمرار التمويل. ومن جهة أخرى فإن التنظيمات الحكومية تخضع لأولويات النظام السياسي ووفق خلفيته الفكرية والأيدلوجية. هذه الاعتبارات تجعل التنظيمات وما يصدر عنها من مؤتمرات وأنشطة تختلط فيها المواقف الثقافية والحضارية بالسياسية إلى حد كبير، مما يُحدث إشكاليات كبيرة على المستوى الثقافي والاجتماعي والديني، لأنه لا يمكن لنا أن  نستعير/نستنسخ جزءً من نمط حياة قائم في بناء حضاري وثقافي معقد، کما في الغرب هنا، من دون إدراك مكملات هذا الجزء وتبعات ومشاكل هذا الاستنساخ على مجتمعاتنا، ما يسفر عن فجوات تفرضها خصوصية المجتمعات العربية المتعددة ثقافياً والمتفاوتة وعياً وتمسكاً بالقيم الدينية، المتيقنة أو الموهومة وهذا في رأيي منطق مرفوض وعذر أعرج، ذکرني بنقاش مع أميرة سعودية حضرت مؤتمراً نسوياً عقد في کلية ماونت هوليوك عام 2004، عن قضية السماح للنساء لقيادة السيارات، بحجة تعارض مثل هذه القضية مع الواقع الأجتماعي والديني للبلد.
ثم تورد المقالة مثلاً آخر، وهو التوجه الحكومي في اليمن لدمج المرأة في العملية الاقتصادية الذي تراه لا يبتعد كثيراً عن "التوجه العالمي" والتنسيق مع جهات خارجية أو "الخضوع" لمطالب سياسية دولية بخصوص هذا الشأن. والأهم من ذلك هو أن هذا التوجه الذي ينشغل "كلية" بالتساوق مع التوجه العالمي لا يهتم كثيراً بخصوصية المجتمع اليمني والذي يفرض سلم أولويات يختلف عن غيره. فأبرز ما نلحظه في هذا التوجه أنه لا يهتم "الاهتمام المطلوب" بتعليم المرأة في مجتمع ترتفع فيه نسبة الأمية بشكل مقلق، خاصة بين صفوف النساء. فالإمعان في مطلب "اللجنة الوطنية للمرأة" اليمنية، وهي هيئة حكومية تأسست قبل نحو خمسة أعوام، ينص على "توفير فرص التعليم وخصوصاً الثانوي لجميع النساء، وتشجيع الإناث على الاستمرار في مواصلة دراستهن لما بعد المرحلة الإلزامية وعدم الاكتفاء بمستويات متدنية من التعليم لزيادة فرص مشاركة المرأة في سوق العمل بتوفير حوافز مادية وعينية." وتستنج المقالة الی أن هذا الإمعان يبين أن مطلب تعليم النساء ينحصر في هدف محدد جاء "مكملاً" للتوجه العام نحو إدماج المرأة في العملية الاقتصادية. بمعنى أن الاهتمام بالتعليم لغرض إشراك المرأة في سوق العمل "فقط"، الأمر الذي يؤكد ما ذکر من قفز التنظيمات النسوية على البعد الثقافي والفكري، باعتباره يمثل مطلباً مبدئياً مع قاسم أمين ومعاصريه، لتحقيق مطالب سياسية واقتصادية من دون الالتفات إلى الفوارق التي تعيشها تلك المجتمعات.
وكذلك الأمر بالنسبة للتنظيمات النسوية الفلسطينية التي تنشغل بقضايا الزواج المبكر والتعدد ونحوها، في حين تدعي المقالة انه لا يوجد تنظيم نسائيٌّ يهتم بالمقاومة والعنف الإسرائيلي! ويأتي ذلك في سياق عولمة نموذج المرأة الغربية من خلال سعي الأمم المتحدة والتنظيمات المنضوية تحتها والخاضعة لها إلى فرض منظومة من القيم الغربية على أنها قيم إنسانية عالمية، تطالب بها كل المجتمعات وتعتبرها هدفاً يستحق النضال من أجله. وهذا من شأنه أن يجعل قضايا المرأة، وفق تصور التنظيمات النسوية، جزءًا من مشروع "العولمة" على اعتبار أن لها تداعيات وتأثيرات تتجاوز حدود الجغرافيا والهويات وتهميش كل المرجعيات الدينية والثقافية لصالح مرجعية الفلسفة الغربية. وهذا يعيدنا من جديد إلى أزمة العلاقة مع الغرب والحداثة، وإشكالية الهوية والمرجعية.
وتری المقالة انه لو عدنا نتأمل القضايا التي تلح عليها كل المؤتمرات على مدار القرن الماضي لوجدناها تنحصر في مطلبين رئيسين:
الأول، حق المرأة في إثبات الوجود والمشاركة في فعاليات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية والاجتماعية وغير ذلك في محاولة لإعادة صياغة العلاقة "المتخلفة"، بمعيار المقارنة مع الغرب، التي تقوم على "اقتسام" النشاط الإنساني بين الرجل والمرأة. وتجعل لكل منهما مجالاً خاصاً، مكاناً ونوعاً. هذه الصياغة الجديدة استدعت الكثير من القضايا مثل "القوامة" و"عمل المرأة"، ما استدعى "حق المرأة" في التشريع القانوني وممارسة أدوار قيادية سياسية وغيرها، وما تفرع عن ذلك من امور تسميها المقالة "إشكالات" شغلت نقاشاً  طويلاً من الخطاب الثقافي والسياسي. هذه المشاركة مع الرجل كانت كفيلة بإعادة صياغة "العلاقة"  بين الرجل والمرأة من منظور "حديث" و "واقعي" بعد أن كان ذلك الاحتكاك استثنائياً وفي نطاق ضيق جداً، بعد أن كان الرجل هو المسؤول عن الدور القيادي في البيت وخارجه.
و"الحقوق" هذه تستدعي  ضرورة مبدأ "المساواة" الذي شغل مساحة كبيرة من المؤتمرات المتوالية ثم من التشريعات في بعض  الدول العربية والإسلامية كتركيا ومصر والمغرب وغيرها. والإقرار بهذا المبدأ  كفيل بإعادة صياغة خارطة العلاقة بين الرجل والمرأة في  البيت وخارجه. ومن أبرز القضايا التي تحضر هنا "القوامة"، وبالتالي تأثيراتها على تنظيم شؤون الأسرة وتربية الأولاد، وحق الطلاق، وسفر المرأة وعملها من دون إذن الزوج، والتساوي في الميراث، بل اقتسام الممتلكات بالتساوي بعد الانفصال أو الوفاة، وغير ذلك مما قد يعود بالنقض على  مسلـَّمات دينية ونصوص صريحة، بحسب رأي المقالة.
إن توسيع مشاركة المرأة في الاقتصاد من خلال تأمين فرص العمل بالاستناد إلى مفهوم "المساواة" وكذا باقي المجالات، من شأنه أن يغير كثيراً من ملامح الخارطة الاجتماعية والثقافية للأسرة العربية. وکما متوقع فان المقالة تبشر بأننا سنجد أنفسنا أمام "نمط" مختلف، يثير كثيراً من الإشكالات التي سنستوردها من "النموذج المثال" الذي نحاكيه، من دون تَبْيِئَة هذا الاقتباس نفسه. وتذکرنا بأنه قد رأينا بعض هذه البوادر من خلال أَنْثنة الإعلام العربي عامة. فتأمين فرص العمل لكل امرأة من شأنه أن  يرفع، إلى حد كبير، من نسبة البطالة في مجتمعات "نامية" كمجتمعاتنا، في الوقت الذي نری فيه عجز الحكومات عن القضاء على  البطالة بتوفير فرص عمل للرجال. كما من شأنه أن يضع بثقله على قوانين وأعراف "الزواج" ليعاد ترتيبها وفق الوضع الجديد، بطالة الرجل وفقره، وخلق نساء رأسماليات! وربما نصل إلى أن تدفع المرأة المهر كما في كثير من ولايات الهند، أو أن يعول كل من الزوجين نفسه كما في الغرب، وهذان أمران تنکرهما المقالة.
لحسن حظ المجتمع العربي والأسلامي، العربي بالذات، فان النظرة الدونية للمرأة ودورها في البيت والمجتمع نفسه، التي رسمها إبن البتنوني في مخطوطته التي أشرنا إليها في الحلقة الأولی، قد تغيرت عما کانت عليه الی حد کبير، رغم تشبث بعض مفکري المعسکر الذي يسمي نفسه دينياً، والذي تعرضنا له في أعلاه. لا بد من التذکير أولاً أن هذا التغير قد أملته ظروف جديدة. إن علاقة المرأة بالمشروع النهضوي هي علاقة صميمة، وتتأثر بالكم والنوع، ذلك أن صيرورة النهوض ينبغي أن تتناول المجتمع وتشمله بأسره، والمجتمع يشمل المرأة والرجل. وهي ضرورة للبقاء الإنساني الراقي وشرط لكي يسهم أفراد المجتمع جميعهم بالجهد والعمل والإدارة والإنجاز، والذي يمكن أن يتحول إلى تراكمات كمية ونوعية تحدث التغيير في الأفراد. نقول ذلك وفي ذهننا استثناء مؤلم تمثله الأنتکاسة الخطيرة لواقع المرأة العراقية المزري في ظل الاحتلال وتحکم العصابات المسلحة للجماعات الدينية بمختلف اشكالها الرسمية ومسمياتها الغريبة.
الملاحظة الثانية هي ان الدين يُعتبر حقيقة اجتماعية موضوعية قائمة لها ديناميكيتها الاجتماعية والفكرية، وينبغي أن يتم تخليصه من كل الشوائب والمواد العالقة التي لا تنسجم مع جوهره، وبالتالي تجعله عرضة لأن يستلب نصوصه من يشاء، فيذهب في تأويلها أو عرضها لغايات لا تعبر عن توجه الأمة وعن تطلعها إلى بناء المستقبل. إن المشكلة ليست في الدين ألبتة، فالعقل المستنير يقرأ الدين قراءة مستنيرة، والعقل المغلق الجاهل يقرأ الدين قراءة مغلقة جاهلة، فالمشكلة إزاء المشروع النهضوي تتمثل في خطابات دينية تحمل الكثير من الشوائب والغايات والمصالح والسياسة والجهل في كثير من الأحيان. إن النهضة لا تتم إلا بتغيير ذلك كلية والعودة بالدين إلى دوره الحقيقي الذي يعبر عنه خطاب علمي.
في ضوء ذلك لا بد من ايضاح تركيبة النهضة وتعددية أبعادها، ولا بد من الدعوة إلى حركة نهضوية ذاتية تاريخية مستقبلية إصلاحية ذات رؤية تركيبية شاملة من أجل البقاء والاستمرار. ولا بد ثالثة من الترکيز على أهمية المحركات العلمية التطبيقية بأرقامها ومدلولاتها، وعلى أن مشروع النهضة لأي أمة ممكن وقابل للتنفيذ مهما كانت العقبات. إن الإرادة والعزيمة والإدراك العلمي لديناميكية التغيير في المجتمع بتاريخيته وبيئته الطبيعية والاجتماعية هي بوابة المستقبل.
ولعله من المفيد هنا ان نعقد مقارنة بين موقف إبن البتنوني وما کان يمثله في وقته إزاء المرأة، وبين نظرة مؤلف معاصر کنجيب محفوظ مثلا وکيف تعرض للمرأة في رواياته. لقد ظهر حديثاً کتاب يعالج هذا الموضوع للدکتورة فوزية العشماوي. صدر الکتاب عن مكتبة الأسرة وراجعه أيمن رفعت. ينقسم الکتاب إلى جزئين حيث توضح المؤلفة في الجزء الأول مظاهر تطور المرأة والمجتمع في مصر المعاصرة في الإنتاج الأدبي لنجيب محفوظ وذلك من خلال الروايات الصادرة خلال الفترة من 1945 إلى 1957. أما في الجزء الثاني من الكتاب فتشير لبعض نماذج من الشخصيات النسائية في أدب نجيب محفوظ وذلك من خلال ثلاثة نماذج هن، "نفيسة" في "بداية ونهاية"، تلك المرأة من الطبقة المتوسطة في فترة ما بين الحربين العالميتين. والنموذج الثاني هو "نور" بطلة "اللص والكلاب"، المرأة البغي "المومس" من الطبقة الشعبية. وأخيراً "زهرة" النموذج الثالث بطلة "ميرامار"، تلك المرأة الفلاحة في المجتمع المصري بعد ثورة يوليو، رمز مصر.

نظراً لغزارة إنتاج نجيب محفوظ الأدبي والروائي الذي استمر وامتد أكثر من خمسين عاماً، حددت المؤلفة الإنتاج الروائي لنجيب محفوظ من خلال المرأة، أي من خلال الشخصيات النسائية في رواياته المنشورة في الفترة ما بين 1945، 1967. والتاريخ الأول هو تاريخ نشر أول رواياته الاجتماعية الواقعية "القاهرة الجديدة"، أما التاريخ الثاني فهو تاريخ هزيمة حزيران ونشر روايته "ميرامار". تقول المؤلفة إن نجيب محفوظ في أولى رواياته الاجتماعية الواقعية المعاصرة عرض مأساة الشباب الجامعي حديث التخرج الذي يواجه البطالة والفساد المنتشر في المجتمع المصري في الثلاثينات من خلال الشخصية النسائية "إحسان شحاته"، فمنذ بداية الرواية نشاهد التمزق الذي تعيش فيه إحسان من ناحية تمزقها بين الخير أي حبها العفيف لـ "على طه" وبين الشر أي إغراء الوسط غير النظيف الذي ينتمي إليه والدها، ومن ناحية أخرى تمزقها بين جمالها الشديد وفقرها المقدح. ولم تستطع إحسان أن تصمد طويلا وتستمر في هذا التمزق وهذا الصراع فاضطرت أن تبتعد عن الشاب المثالي الذي يعيش في الخيال "على طه" لتصبح عشيقة قاسم بك، وكيل الوزارة الذي يرمز إلى الطبقة الارستقراطية الفاسدة التي تحكم البلد. وتكمل المؤلفة بعرض الضحية الأخرى وهو "محجوب عبد الدايم" الذي يعيش في صراع مماثل للصراع الذي تعيشه إحسان. ويعرض لنا نجيب محفوظ أسباب انحراف الضحيتين، إحسان شحاته، ومحجوب عبد الدايم في جملة واحدة على لسان الشخصية النسائية المحورية في روايته التي تجيب على زوجها محجوب عبد الدايم وهو يتساءل في دهشة عن الأسباب التي جعلتها تقبل هذا الوضع المخزي الذي يعيشان فيه معا. فتقول، "الذي اضطرني إلى الارتباط بكما معا هو نفس ما جعلك تقبل هذا الزواج." وتقول المؤلفة أراد نجيب محفوظ باستخدامه تعبير "اضطرني" أن يقول إن كلاً من الشاب والفتاة لم يكن باستطاعته أن يختار، وهو يعيش في هذه الظروف القاسية، مؤكدة أن شخصية "إحسان شحاته" في "القاهرة الجديدة"، هو رمز لمصر في الثلاثينات، فهي مغلوبة على أمرها ومضطرة للخضوع للذين يستبيحون عرضها ويبيعونها بمعاهدة أو بعقد مع الشيطان مماثل للعقد المبرم بين الثالوث الروائي، قاسم بك/إحسان شحاته/محجوب عبد الدايم.
تنتقل العشماوي إلى زقاق المدق ومن خلاله تخرج "حميدة" وهي المرأة الوحيدة عن تقاليد الزقاق وتشرد بعيدا عن قطاع كل النساء العاملات. جعل محفوظ من "حميدة" المرأة التي تعكس الصراع الدائر داخل نفوس أهل الزقاق داخل حميدة نفسها. فنجد حميدة تبحث خارج الزقاق عما يحقق لها ما تصبو إليه من معيشة ميسرة وعيشة هنية وملابس جميلة غالية وزوج يرتدى البدلة الأوروبية وليس الجلباب البلدي مثل أهل الزقاق. وتسقط "حميدة" في براثن ذئب بشري، استدرجها بكلامه المعسول. فانحرفت بذلك حميدة عن الطريق القويم، عن مبادئ وأخلاقيات الزقاق. وتبين المؤلفة أن انحراف "حميدة" وسقطتها الأخلاقية يرمز إلى الأزمة السياسية والاقتصادية التي كانت تمزق مصر في فترة ما بين الحربين العالميتين. وهذا المصير الذي آلت إليه حميدة كان نفس مصير كل الشبان الذين خرجوا من الزقاق بحثا عن الرقى والمدنية والثراء السريع، فكان مصيرهم إما القتل والموت مثل عباس العلو، وأما الانحراف والضياع أي الموت المعنوي مثل "حميدة".

تـُعتبر الثلاثية حجر الزاوية للإنتاج الروائي لنجيب محفوظ، فقد رسم فيها المؤلف لوحة رائعة للحياة في المجتمع المصري خلال الفترة من 1917 إلى 1944، وذلك من خلال حياة ثلاثة أجيال لأسرة من الطبقة المتوسطة. ففي الجزء الأول من الثلاثية "بين القصرين" يصور نجيب المرأة وهي الزوجة "أمينة" خاضعة لزوجها خضوعا تاما بلا قيد أو شرط. وفي الجزء الثاني من الثلاثية "قصر الشوق" فإنه يعرض لنا الجيل الثاني للأسرة، الممزق بين الشك واليقين، بين التقاليد العتيقة والمدنية الحديثة. أما الجزء الثالث من الثلاثية "السكرية" يعرض لنا حياة الجيل الثالث لأسرة السيد أحمد عبد الجواد، وهذا الجيل كان منقسما شطرين. شطر اتجه يسارا واعتنق مبادئ الشيوعية ممثلاً بأحمد ابن خديجة. والشطر الآخر اتجه يمينا بانضمام الابن الثاني لخديجة إلى الإخوان المسلمين. وتقول المؤلفة برغم الكم الهائل من الشخصيات النسائية التي تموج بها هذه الرواية والتي ترمز إلى النوعيات الثلاث من النساء اللواتي يتكون منهم المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين، فنجد المرأة الأرستقراطية وتجسدها عايدة شديد، التي يعشقها كمال عبد الجواد، والمرأة من الطبقة المتوسطة وتجسدها أمينة وبناتها خديجة وعائشة، والمرأة من الطبقة الشعبية، وهى غالبا ما تكون فقيرة، ومغلوبة على أمرها ومضطرة للعمل سواء كخادمة، أو كعاملة تحترف البغاء. ولعل أبرز شخصية من هذه الطبقة تجسدها "زنوبة" التي تزوجت ياسين.
يحرص نجيب محفوظ على إبراز التربية الإسلامية الأصيلة التي حصلت عليها أمينة في بيت أبيها الشيخ الأزهري الذي علمها أصول وقيم الدين الإسلامي. لقد جسدت أمينة صورة الزوجة المسلمة كما يجب أن تكون وفقا للحديث المنسوب للنبي "لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها". وبذلك نقل نجيب محفوظ لنا صورة حقيقية للمرأة في المجتمع المصري في بداية القرن العشرين. وهي تجسيد للمرأة المسلمة المتدينة الأمية التي تخاف من العفاريت. وهذا النموذج للمرأة الملائكية رمز القيم الإسلامية التي تربط جميع أفراد الأسرة برباط وثيق من الحب والاحترام المتبادل.

في رواية "ميرامار" يقدم لنا نجيب محفوظ نموذجا جديدا للمرأة المصرية في الستينات. إنها زهرة الفلاحة الشريفة الأبية الواثقة من نفسها، وزهرة في ميرامار هي المحور الذي يدور حوله خمسة رجال يعرض كل واحد منهم تصوره ووجهة نظره بالنسبة للحياة في المجتمع المصري في الستينات في العهد الناصري. أما "زهرة" فهي ترمز إلى المرأة الجديدة في المجتمع المصري أو على الأقل تمثل شريحة جديدة من النساء اللواتي يعتمدن على أنفسهن في الحياة ويواجهن الرجال والمجتمع في تحد وجرأة لإثبات وجودهن.
بعد عرض بعض الروايات للأديب نجيب محفوظ في تلك الفترة توضح العشماوي أن الأسلوب الروائي الفني الجديد يبدو واضحا ومرتكزاً على تيار اللامعقول وتيار الرمزية. وكان نجيب محفوظ يمزج بين هذا المنهج ومنهج الواقعية الاجتماعية. ويتضح ذلك بإجراء مقارنة بين أزمة" نفيسة" وأسرتها في رواية "بداية ونهاية" وبين أزمة "عمر الحمزاوي" في رواية "الشحاذ". ففي الرواية الأخيرة جعل المؤلف حياة البطل تنهار بسبب مناقشة فلسفية زلزلت كيان المحامي الناجح الذي يملك كل شيء، المال والمركز، بينما في روايته الواقعية "بداية ونهاية" نجد أن سبب انهيار الأسرة هو سبب مادي اجتماعي ملموس زلزل كيان الأسرة بأكملها.
کما تقدم المؤلفة بعض نماذج من الشخصيات النسائية التي تجسد المرأة المصرية كما صورها نجيب محفوŸ