عن الطفولة والأمهات
والوطن الذبيح
(الحلقة الأولی)

د. محمد الأزرقي
mjiyad@hotmail.com
مع كل ما يمكن وينبغي تقديره من تقدم علمي
وتقني ومنظومة بناء سياسي داخلي، يبقى أن
المسيرة الأميركية صنعت لنفسها داخليا
وعالميا "وجها حضاريا" بالقوة الدموية.
لقد وضعت عنوان "الإنسان" على حلقات
متواصلة من توظيف استخدام القوة المحضة
على حساب الإنسان، في مسلسل بدأ بإبادة
الهنود الحمر، وعَبَرَ محطات التجارة
بالرقيق، والعنصرية الداخلية، والحملات
الاستعمارية في أميركا الوسطى والجنوبية.
ولم تعرف هذه المسيرة سوى منطق القوة، رغم
مقاومة "الإنسان" الأميركي لها بين حين
وحين، مما ظهرت معالمه في دعوات التحرير
والمساواة، لتغيبها معادلة موازين القوة
داخليا ودوليا من جديد.
إن القوة الغاشمة من وراء القناع الحضاري
هي التي هُزمت حضاريا في ما يرمز إلى ذلك
في گوانتانامو وأبي غريب وحديثه والاسحاقي
وقبلها تلعفر، فكان سقوطا تجاوز بمفعوله
العالمي سقطات سابقة. ولهذا بات حدث
العراق يمثل مفصلا تاريخيا سبق للتاريخ أن
سجل ما يشبهه، ما بين صعود إمبراطوريات
وانهيارها. وإن رفض جهات غربية عديدة،
سياسية وفكرية، أن تخوض غمار هذا "المفصل
التاريخي" مع القذائف الأميركية العاتية،
يعود إلى حد كبير، إلى إدراك تلك الجهات
أن الآلة العسكرية الأميركية تقوض البقية
الباقية من القيم الإيجابية في منظومة
القيم الغربية. وبذلك طفا على السطح كل ما
كان فيها ظاهرا للعيان أو مغيبا وراء
الشعارات، وترمز إليه كلمة "شرعة الغاب"،
سواء كانت القوة المعتمدة قوة المال أو
الاحتكار دون مراعاة للإنسان نفسه أو
القذائف القاتلة، الغبية منها والذكية.
وقبل اسابيع ارتفع صوت مقاومة آخر للأنسان
الأمريکي عندما استعرضت دراسة اجريت في
الولايات المتحدة الامريكية ان سياسة
الخارجية الامريكية خاضعة للاملاءات
الاسرائيلية واللوبي الصهيوني بشكل يتعارض
كليا مع المصالح الوطنية العليا للولايات
المتحدة. وقال البحث الذي اجراه كل من
الأستاذ ستيفان والت من جامعة هارفرد
والأستاذ جون مارشهايمر من جامعة شيكاغو،
ان اسرائيل لعبت دورا بالغ الاهمية في
القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة في
حربها علي العراق، وان الصورة المشوهة
والانطباع السيء عن سياسة الولايات
المتحدة في الشرق الاوسط نابعة من طبيعة
العلاقة مع اسرائيل.
وأوردت صحيفة (القدس العربي) ما قالته
صحيفة (يديعوت احرونوت) من ان البحث الذي
اعده الأستاذان وهما خبيران في العلاقات
الدولية وفي مجال انظمة الحكم والرؤية
الاستراتيجية حمل عنوان "اللوبي
الاسرائيلي والسياسة الخارجية لامريكا"،
تضمن نقدا لاذعا شديد اللهجة للسيطرة
الكاملة التي يحظي بها اللوبي الصهيوني في
الكونگرس الامريكي، وقدرته علی التأثير
علی وسائل الاعلام وعلی اتخاذ القرارات
السياسية. واضافت الصحيفة إن هذا النقد
كان كفيلا في اثارة حفيظة اللوبي الصهيوني
في الولايات المتحدة الامريكية واعتبر
بمثابة لغم يوضع امام المحاولات
الاسرائيلية لترويج مواقفها، هذا عدا عن
ان التقرير كان محط اهتمام وزارة الدفاع
الامريكية (البنتاگون) والجيش الامريكي،
لما له من تأثير مباشر علي الذراع المنفذ
للسياسة الخارجية الامريكية.
في غضون ذلك قالت بعض المصادر السياسية
الاسرائيلية للمراسل السياسي لصحيفة
ايتمار ايخنر، ان نشر التقرير تزامن مع
الذكری الثالثة لغزو العراق وفي الوقت
الذي دلت استطلاعات الرأي في الولايات
المتحدة علي انخفاض شعبية الرئيس الامريكي
جورج بوش وتراجع قوة المحافظين الجدد.
واشارت هذه المصادر ايضا الی ان البحث
يثير اشكالية في توقيته الذي يأتي قبل شهر
من بدء محاكمة المتورطين في ما بات يعرف
بقضية (ايباك) وعلی رأسهم "لاري فرانكلن"،
وهو صهيوني معروف يعمل مستشاراً رفيع
المستوي في البنتاگون. وقد اتهم فرانکلن
بتسريب معلومات حساسة وسرية للوبي
الصهيوني عن السياسة الامنية
والاستراتيجية الامريكية المتعلقة بالملف
النووي الايراني.
واختتمت القدس تعليقها من وجهة النظر
الاسرائيلية، في ان دراسة هارفارد تحاول
القاء المسؤولية في فشل سياسة بوش بعد
احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) علی
اللوبي الصهيوني. بل تبتعد أکثر حدَّ
اتهام بوش انه كان اسيرا للوبي، وسخـَّر
قدرات الولايات المتحدة لخدمة المصالح
الاسرائيلية الجشعة. ولم تخف المصادر
الاسرائيلية قلقها من نشر البحث خاصة انه
صادر عن شخصين معروفين ويتمتعان بمصداقية
عالية جدا في اوساط الباحثين والاكاديميين
في الولايات المتحدة، حيث تخشي
الدبلوماسية الاسرائيلية من انعكاسات
واثار هذا البحث علي اراء الساسة
الامريكيين والاوروبيين علي حد سواء. وهو
ما يؤكد حسب هذه المصادر عزم اسرائيل علی
خوض معركة دعائية لاحتواء ما جاء في البحث
والتقليل من تأثيراته وانعكاساته.
کان العراق حاضراً في ذهني وانا اقرأ
خلاصة "دراسة هارفارد" هذه، وانا في
انتظار موعدي مع الطبيب. غادرت العيادة
تملأني فرحة غامرة لأن الفحوصاتِ
المختبرية اظهرت تحسناً جزئياً علی وضعي
الصحي، وهو خبر رائع حقاً بعد سلسلة من
النتائج المحبطة طوال العامين الماضيين.
ولابد لي في هذه المناسبة من ان اشکر
صديقي الدکتور طالب النداف، الذي شخَّص
وضعي وهو في السويد، واقترح عقاراً جديداً
لعلاجي وافق عليه طبيبي المتخصص بامراض
الکلی والمسالك البولية. وکما ذکرت في
مقالة سابقة ان الدکتور النداف کفاءة
شردها النظام البغيض وحزبه المجرم، وما
اکثر کفاءات ابناء الناصرية وبناتها من
الذين توزعوا علی بقاع الأرض شرقاً وغربا.
ومن هؤلاء صديق طفولتي الذي حصل علی
الشهادات العالية من افضل الجامعات
البريطانية، وأسس الجهاز الأحصائي لبلد
عربي، وتولی المناصب العالية خبيرا للأمم
المتحدة ومستشاراً لها في قائمة طويلة من
البلدان، ثمَّ انتهی لاجئاً في إحدی دول
الخليج.
کان اليوم هو ذکری رحيل صاحب الصوت
الجنوبي الأصيل المرحوم رياض احمد. لم اکن
سمعت اغانيه قبل هروبي من العراق، وقد کان
الوجدان يتجاوب عادة مع ناصر حکيم وداخل
حسن ومسعود العمارتلي وخضير حسن وياس خضر،
خاصة عندما يغني لمظفر النواب. وقبل سنوات
زارني صديق جنوبي، هرب من العراق بعد
الانتفاضة التي يشير اليها أحيانا مازحاً،
"الأنتفاخه". وبعد سنوات عصيبة ما بين
ايران وشمال العراق وترکيا قادته طرق
الغربة الی الولايات المتحدة. کان الدکتور
علي عبد الواحد الحمداوي قد تخرج من کلية
طب البصرة، وامضی سنوات الاقامة المهنية
في مستشفی الناصرية. وکلما حضر الدکتور
علي الی بيتي کنا نتحدث عن الوضع الرهيب
في وطننا الحبيب، ونحن نستمع الی الاغاني
الجنوبية الشجية. سألني مرة ان کنت سمعت
اغان لمطرب اسمه رياض احمد، ثم اضاف
بلهجته البصرية " يا بويه هذا راح يخليك
تنوح!" احضر علي في المرة القادمة شريطا
لاغاني رياض اُعجبت بها جميعاً، لا سيما
" مو هيَّ الابنيه، العلويه، اچتلتني
لا شدَّت صوابي ولا ضمِّدتني"
أصبحت هذه الاغاني، الحزينة الطابع،
الحاني المفضلة وقت يدق الحنين اجراسه
للوطن البعيد ساعة الحزن، وکما ساعة
الفرح. شيء غريب نتميز فيه نحن العراقيين!
بدأ الصوت الشجي يطرق اسماعي، وانا احاول
ان افتح صفحة البريد الالکتروني لأنقل
الاخبار السارة عن صحتي لأخوي احمد وعدنان
وجميع اهلي واصدقائي في الوطن وفي
ديارالغربة. لم اکد اصدق ناظري عندما وجدت
رسالة من صديق الطفولة الذي لم اقابله منذ
عام 1956 عندما التحقت بدار المعلمين
الابتدائية، والتحق هو بمدرسة اعدادية في
لبنان. کانت حقاً مفاجأة سعيدة حين وجدتُ
الرسالة، وحين قرأتها سرني جداً ما جاءَ
فيها. يبدو ان صديقي قد اطلع علی عنواني
بعد قراءة بعض ما نُشر لي وتفضل بالکتابة
والاستفسار. لقد غمرتني سعادة طاغية، وانا
انبش الذاکرة لاستحضر لحظات طفولتنا معاً.
لقد کان اول صديق لي في حياتي! التقينا
علی ما يشبه المقعد الدراسي في البيت
القديم الذي کان يُسمی المدرسة الغربية،
مقابل "دربونة" بيته وبيت طالب آخر کان
يکبرنا سناً، وهو دينار کريم الغيبي. کان
معلمنا احمد المغربي ومراقب الصف لحين
حضور المعلم هو مجيد عليوي الأقچم. اعتقد
انه کان في الصف الخامس.
کان عدد طلاب الصف الأول اکثر من عدد
المقاعد الدراسية، واتذکر منهم سهيل علوان
الريس وابن عمه حامد احمد الريس وعبد
الرحمن مجيد وسالم داود الخياط وأخاه غانم
وجميل گنو، وابن عمه شاکر نصرت وعبد
الحسين سمير الملقب (أسود) وأخاه ممدوح
والمرحوم عبد الستار حسين ابو الحلاوه
وأخاه عبد علي وناهي سباهي وکاظم ذياب
واخاه ناظم وجواد بدهان وسالم محمد الگصاب
وسلمان مزعل وأخاه عطا وفاخر مهلهل وعزيز
سرحان، وحسين الحران واخاه خالد، وذياب
جابر وحامد عزيز وابن خاله جواد کاظم
الگهوچي، وربما سرور عبد الستار الشاهين،
وآخرين لا تحضرني اسماؤهم. تدافع الطلاب
في اللحظات الاولی لدخولنا الصف، واسرعوا
لاشغال المقاعد. ولم نساهم انا وطالب آخر
في التدافع کالآخرين، فانتهينا واقفين قرب
الشباك عندما حضر المعلم. قرر المعلم
وقتها ان نحتل انا والطالب الآخر قاعدة
الشباك القديم التي کان عرضها ربما اکثر
من قدمين وطولها ستة اقدام. فاصبح واجب
الطالب المراقب ان يساعدنا في "التسلق"
الی قاعدة الشباك في بداية کل درس طيلة
العام الدراسي. وهکذا اصبحنا، أنا وکامل
کاظم العضاض، صديقين حميمين منذ ذلك
اليوم، حتی اکملنا مرحلة الدراسة
المتوسطة.
في اليوم التالي دعاني صديقي للذهاب معه
الی بيته في فرصة الغداء، فقابلت المرحومة
والدته. کنتُ في السابعة من العمر وقال
إنه في السادسة، اکتشفت فيما بعد انه في
الخامسة. اعتقد ان اخته فاطمة کانت بعمر
اختي حمديه، اربع سنوات. وکان اخوه جواد
بعمر اخي احمد، سنة واحدة. ولم يکن اخواه
علي وليث ولا اخته رباب قد ولدوا بعد.
سألتني الخالة أم کامل من اکون فاخبرتها
"آنا ابن نجيه بت ال غزال، وبيتنا يمّ
الجامع." انتسبت الی امي، بدلا من أبي،
وهذا يخالف العادة والأصول السارية. لکنني
فعلت ذلك عن عمد، لانني لم اتوقع وربما من
غير اللائق ان تکون هذه المرأة تعرف اسم
والدي. کنا رغم العمر المبکر نعرف کيف
نحسن مخاطبة الکبار. والجامع المقصود هو
الجامع الصغير الذي بناه الجد غزال الحسن
الشمري، وبنی بجواره بيتاً کبيراً لعائلة
آل غزال، عندما هاجر من الموصل الی
الناصرية في بداية تأسيسها کتاجر في
الحبوب. کان يساعده في ذلك العمل ابنه
الأکبرحسن. اما الأبن الثاني ابراهيم فقد
عمل في "سراي الحاکم العثماني"، بينما
اختار اخوه علي تصدير التمور الی الهند
،وعمل الابن الأصغر شنيف في تجارة الخيول،
ترکها بعد ذلك واشتری زورقا لصيد اللؤلؤ،
لکن الحظ لم يحالفه في کل مشاريعه.
جلسنا أنا وکامل علی حصير في الجانب
المشمس من البيت وقدمت لنا الخالة ام کامل
الغداء الذي کان لذيذاً للغايةِ، ربما کان
(مرگة فاصوليا ولحم علی تمن عمبر).
بالتأکيد تمن عنبر لأن رائحته الزکيه کانت
تفوح في فناء البيت. اسرعت بعد الغداء الی
بيتي لأخبر والدتي انني کنت في بيت صديقي
الجديد حتی لا تقلق، واصطحبت معي کامل.
وحين دخلنا البيت استقبلتني بالأحضان،
وکأني قد غبت عنها منذ سنين! اخبرتها انني
کنت في بيت صديقي، فامتدت ذراعيها
لتحتضنه، وهي تهزج قائلة:
هله بالجاي والجايب صديقه
إجه من المدرسه ويندل طريقه
ومع ان الطريق الی المدرسة واضح المسالك
ولا تحف به المخاطر، والمدرسة، في
الحقيقة، لا تبعد الأ بضع مئات من الأمتار
من البيت، فقد جعلتها الوالدة وکأنها مهمة
صعبة وشاقة يستدعي اکمالها الفرح
والأحتفال! ولکن ماذا تقول في هذا الحنان
اللا محدود؟ ثم التفتت الی صديقي، لتسأل:
- عيوني، إبن من إنت؟
وحين تردد صديقي بالأجابة من شدة الحرج،
إنبريت قائلا:
- إبن بيت العضاض.
ثم انطلقنا مسرعين وعدنا الی بيت صديقي،
وجلسنا نستنسخ درس القراءة الخلدونية
الأول: زيز زير زيزي زيري ... الخ من
الکلمات التي لم نفهم مغزاها!
تکرر الموقف کثيرا وحضرکامل الی بيتي، لکن
حضوري الی بيته کان شبه مستمر بحکم قربه
من المدرسة. وخلال زياراتي المتکررة تعرفت
علی والده، الذي سحرني بطول قامته
وانتصابها، وملابسه النظيفة ونظاراته وهو
يقرأ الجريدة، ومظلته الشمسية وقت الصيف.
کان قليل الکلام خافض الصوت، وربما تفضل
علينا بعبارات التشجيع بعض المرات. ولکن
الحقيقة هي ان کلامنا يصبح بحضوره همساً
واشاراتٍ. ولا بد من الإعتراف ان شعوري
انا شخصياً کان مزيجاً من الخوف
والأحترام.
کنا بعد الغداء نعود للمدرسة من اجل "دوام
العصر" ونخرج بعدها الی شارع الهوا للعب
مع الأولاد الآخرين "طوبه"، التي لم تکن
الا جوربا قديماً مليئاً بالخرق البالية
والقطن ليصبح شکله کرويا. کان يفي بالغرض
وکنا سعداء رغم اشتراکنا "بکره أسود سمير"
لأنه کان يحب الاستحواذ علی "الطوبه"
باستمرار ويترك الفريق مسرعا نحو سطح
الدارعندما يشاهد حمامة تطير في السماء!
واعتقد انه عن طريق کامل حصل الأولاد علی
"طوبة چبَن" لأول مرة في حياتهم. وهي نوع
من الکرات التي يستعملها لاعبو کرة
المضرب. وقد جاءت تلك الکرة من لبنان!
اتذکر ان عم کامل المرحوم محمد هو الذي
کان يقوم بشراء اللحم والخضر والفواکه
والسمك والدجاج.. الخ من السوق. وحين يعود
الی البيت، يکون بصحبته "حمال زغير" يشد
علی وسطه حبلا بمثابة حزام ويضع علی رأسه
"زبيل" فيه المواد الغذائية. کنت اتردد
علی بيت صديقي حتی في أيام الجمعة، واذکر
اننا فوجئنا وشعرنا بالاحراج في احد
الأيام عندما وجدنا ان "الحمال الزغير"
ذلك اليوم کان زميلا لنا في الصف. کان من
اسرة فقيرة ويعمل والده شرطياً. واتذکر
اننا تشاورنا ان کان من اللائق ان نتجاهله
حتی لا يشعر بالاحراج، أو من الأفضل ان
نسلم عليه حتی لا يشعر اننا نتعالی عليه،
او شيء من هذا القبيل. ولحسن الحظ انقذ
زميلنا الموقف عندما بادرنا هو بالتحية،
بعد ان فرغ من وضع المواد امام الوالدة
واستلم اجرته واستعدَّ للمغادرة.
قضينا سنتين في المدرسة الغربية قبل
الانتقال الی بناية الطحان قرب مطحنة
ومعمل ثلج طوبيا، فاصبح اسم المدرسة
"مدرسة الملك فيصل الأول" واُدمجت بها
"مدرسة السيف." وفي هذا الاثناء بدأ والد
کامل مشروعه في بناء المقهی في الطابق
الأول وفندق الرحاب في الطابق الثاني علی
قطعة ارض يمتلکها عند تقاطع شارع الجامع
الصغير مع شارع السراي. کان رجل اعمال له
استثمارات في انتاج القمح في منطقتي
"الموحيه والشريف" وربما في المناطق
الممتدة بين "سوق الشيوخ والگرمه"، عن
طريق عدد من المکائن الزراعية. وکنا
نشاهده کل يوم ونحن في طريقنا الی المدرسة
ومنها. وکنا احيانا نجده وقت العصر جالساً
امام مخزن احمد النواس مع صديقه المطرب
داخل حسن وشيخ عشائر ال غزي محمد المنشد،
واحياناً المحامي سهيل عبد الياسين. ولهذه
الشلة من الاصدقاء، کما هو معروف حينها،
عالمها الخاص. وهو قطعاً الشخص الذي عناه
داخل حسن في شکواه عندما غنی:
يکاظم مهجتي الهجران عادمها
راح الچان سلوه الها وينادمها
کما اعتقد انه ربما سمّی ابنه الوحيد
"کاظم" تيمناً بصديقه.
کنا عادة نتوقف لزيارة خال صديقي المرحوم
المحامي محمد حسن العضاض في مکتبه. کان
بعکس والد کامل تماماً، يتحدث معنا
باستمرار ويسألنا عن المدرسة والدراسة
وماذا تعلمنا في ذلك اليوم. كان الرجل
رقيقاً للغاية، عرفت فيما بعد انه شاعر
وصحفي وانتخب عضواً في آخر برلمان قبل
قيام ثورة 14 تموز الخالدة نائباً ضمن
قائمة صالح جبر. ومن شدة اهتمامه بکامل
ورعايته له فانه کان بمثابة الأب الروحي
لصديقي. کان يعطي احيانا بعض النقود لکامل
ويذکره بأن ذلك "إلك ولصديقك!" وکنا نسرع
الخطی بعدها الی دکان مرزا ابو التمر
لنشتري التمر والراشي اللذيذ. ويتولی کامل
الدفع في کل مرة، نعود بعدها الی صفوفنا
وقت العصر. وفي بعض الأحيان کان بعض
الأولاد يتسللون الی علوة التمر المجاورة
لسرقة بعض "الديري" اليابس الذي قد يدعو
الحراس الی مطاردتهم احياناً حتی مدخل
المدرسة وتقديم شکوی لمدير المدرسة السيد
باقر. وفي کل مرة کان السيد باقر يجدها
فرصة لجمع الطلاب وإلقاء خطبة حول الامانة
واحترام ملکية الآخرين. وقد عُرف عنه،
رحمه الله، حبُهُ للخطب الرنانة! وفي
الوقت الذي کان ينال فيه اولئك البعض من
الطلاب نصيبهم من "الرزالة"، کنا نحن قد
اشبعنا نهمنا ونلنا حاجتنا من "الطاقة".
يقول الصديق کامل عن خاله ما يلي:
"لقد كان المرحوم خالي ( الشاعر والأديب
والمحامي ) محمد حسن جواد العضاض (وهو ابن
عم والدي أيضا ) , معتمدا لحزب الأمة
الاشتراكي في الناصرية ( حزب صالح جبر).
وقد دخل برلمان عام 1954 عن هذا الحزب
ممثلا لمدينة الناصرية . وكما تعلم لقد
تشكّلت معارضة برلمانية منظمة لأول مرة في
هذا البرلمان والتي انضم اليها ممثلو حزب
الأمة في ذلك البرلمان , مما حدا بنوري
سعيد لحلّه , فكان البرلمان الأخير في
تاريخ العهد الملكي."
وتجدر الأشارة الی ان تلك الانتخابات قد
خلفت شهيدا تم اغتياله علی يد انصار نوري
السعيد. وهو الأخ الأکبر للأخ جليل والأخ
عبد الأله والأخت اقبال، التي تزوجها فيما
بعد صديقي الأخ کتاب سعدون. يصف الأخ کامل
الحادث کما يلي:
"الشهيد ................ هو محمد هادي
العضاض, وهو ابن عم خالي محمد حسن وابن عم
كل من والدي ووالدتي يعمل " تتنجي ",
وكان يصنع سكائر (المزبن) بنفسه. وقد قتل
من قبل أنصار نوري سعيد من عشيرة آل بطي
..................... , والسبب لأن آل
بطي طلبوا من وفد حزب الأمة القادم بموكب
من السيارات بالعودة الى الناصرية وعدم
تلبية دعوة الشيخ محسن بدر الرميض. ولما
رفضوا وقام محمد بتحديهم أطلقوا عليهم
الرصاص فقتلوه. وبالمناسبة كان محمد هذا
شابا شجاعا, ولم يكن قد تجاوز الخامسة
والعشرين من عمره حينذاك.
......................"
ولا بدَّ من القول انه لم يُحاکم أحدٌ أو
يُدان، رغم توفر بعض الأدلة عن بعض
المتهمين.
کنا منذ الصغر مولعين بالقراءة والتظاهر
بأننا مثقفون. وقد عمل استاذنا علي
الشبيبي، معلم اللغة العربية علی ترسيخ
السمة الأولی فينا، دون الثانية. وکنا
عندما نمر في السوق نتباری في قراءة لوحات
المحلات التجارية ومختلف الأعمال
والأعلانات، خاصة اعلانات الأفلام
السينمائية. وقد کان بعضها سهلاٌ، فمثلا
لوحة "مخزن الأخوين" لا تشکل مشکلة لأننا
نعرف ان الاخوين هما "طه وياسين"، ومثلها
"محل کعك وکاهي هليل"، أو "پاچة سبيتي".
لکننا حکمنا بموجب "قدراتنا اللغوية
الباهرة" ان "مخزن الطحان" كأسم لمحل
تجاري غير مناسب، فالطحان لا يبيع الملابس
والأقمشة والکماليات والعطور! کما وجدنا
ان لوحة "محل خياطة حسن مشعل" ليس في
قسمها الاول اي التباس، ولکن القسم الثاني
منها "ملکي وعسکري" کان موضع جدل دائم
بيننا. الکلمة الاولی معروفة وغير قابلة
للجدل، لکن الإشکال کان في الکلمة
الثانية. فهل يا تری المقصود منها
"مَلـَکي" نسبة الی الملك؟ بمعنی ان خياطة
البدلات جيدة للغاية تليق بان يلبسها
الملك. أم ان الکلمة هي "مُلکي" وهي کلمة
عامية تعني "مدني" بعکس "عسکري"؟ لم يحُسم
الأمر الا عندما حضر الملك الی الناصرية
بعد تتويجه، ولم يتوقف عند محل خياطة حسن
مشعل ليشتري او يتقبل احدی البدلات هدية
من أحد خياطي مدينتنا! کان من المقبول
لدينا ان توضع کلمة عامية علی لوحة مطعم
لبيع "الپاچه" مثلاَ، لکن استعمال کلمة
عامية علی لوحة محل محترم للخياطة فأمر لا
يجوز وفق معاييرنا اللغوية!
لکن حيرتنا کانت علی اشدها ازاء لوحة محل
يملکه طحان آخر اسمه عبد. کان المحل لبيع
الاحذية وتشير لوحته التي خُطت بالوان
جذابة زاهية الی الاسم "باتا"، حتی ان
الرجل اصبح لقبه "عبد باتا". لا اتذکر
ايَّنا قد جاء بتفسير لهذه الظاهرة
اللغوية الشاذة عندما ذکر ان خطاطا
اجنبياً لا يجيد اللغة العربية ومخارج
اصواتها، قد استبدل کلمة "بطه" التي کانت
الاسم الحقيقي لهذا النوع من الاحذية
بکلمة "باتا"! واقترح الآخر ان اسم "بطه"
ربما قد اطلق علی هذا النوع من الاحذية
لانه يقاوم الماء! وعليه فلا يتسرب من
خلاله ماء المطر ويسبب ابتلال القدمين. ان
ذلك بالضبط ما قرأناه في کتاب "الأشياء
والصحة" وهو ان ريش البط مکسو بطبقة دهنية
تحفظ الطير من الابتلال بالماء عندما يسبح
فيه. وسرح الخيال بعيداً الی ان لبس هذا
النوع من الاحذية قد يتيح للشخص ان يطفو
علی سطح الماء، او يمشي عليه کما فعل
السيد المسيح في احدی معجزاته! ولکننا
سرعان ما استغفرنا الله علی هذه الفکرة
الغير مقبولة، وادرکنا اننا فعلا "نتفلسف"
بشکل غير لائق، ولا بد من وضع حد لهذا
الهراء اللغوي، ومن الافضل عدم ذکره امام
احد مخافة العقاب أو الاستهزاء، فبقي
الأمر سراً!
ما زلت اذکر اليوم الذي عُدت فيه من زيارة
لأقاربي في القرية والتي استمرت اسبوعا.
استقبلتني والدتي بالفرحة والقبلات ، کما
هو متوقع، وقالت "اخوك خطيه، يجي يسأل
عليك کل يوم!" کانت تشير الي کامل بحضوري
بکلمة "اخوك"، وکانت ام کامل تعمل نفس
الشيء، إذ تشير اليَّ بحضوره " اخوك"
أيضاً. ولم يکن في الأمر غرابة، فالعائلة
دائماً تتبنی اصدقاء وصديقات ابنائها
وبناتها، وکانت هذه في رأيي حلقة اخری من
حلقات الألفة والمحبة بين العوائل
والجيران. لا اعرف ان کان هذا التقليد ما
زال سارياً في مدينتنا هذه الأيام. وعلی
کل حال، فقد کنت انا مشتاقاً لمشاهدة
صديقي لأطلعه علی "الناي" الذي صنعه لي
خالي المرحوم ريسان من القصب! وحين اسرعت
الی البيت وطرقت الباب، فتحته الأخت فاطمة
وکانت ترتدي ثوباً اسود، وقالت بعفوية
الأطفال "خالي مات!" صعقني الخبر. وحين
جاءت الوالدة لتعرف من کان في الباب، کانت
هي الأخری تتشح بالسواد. لم يکن کامل في
البيت، وربما قالتا لي أين يمکن ان يکون،
لکن فکري کان مشغولا بالتقاط صور خاله
الشاب الوسيم وطيبته وبساطته وعطفه علينا.
تذکرت الهدايا التي کان يأتي بها لکامل
حين يعود من سفره الی لبنان للاصطياف،
الملابس الجميلة، وخاصة البنطلونات
القصيرة والجوارب الطويلة والاحذية
اللماعة. لا شك عندي ان الخال کان يريد ان
يتميز کامل بملابس لايلبس مثلها الأولاد
الآخرون. تذکرتُ القرطاسية التي لا نعرف
مثلها في مدينتنا والاقلام الملونة وقصص
الاطفال بطبعاتها الأنيقة، مما کان يثير
غيرتي الطفولية، إذ طالما تمنيت ان يکون
لي خال مثلهُ! لکن الواقع ان صديقي کان
کريماً معي وجعلني استعمل البعض من هداياه
الجميلة أو استعيرها، ما عدا الملابس،
طبعاً. وقد کان يشارکني في تذوق
الشيکولاته الفرنسية اللذيذة والتفاح
اللبناني العبق الرائحة، وطبعاً قراءة
القصص الجميلة التي يحضرها الخال له! وجدت
فيما بعد اني قد سمعت ما قالته الأخت
فاطمة خطأ، إذ کانت تقصد ان عمها محمد،
وليس خالها محمد حسن، هو المقصود بخبر
الوفاة.
کنا ونحن في ذلك السن المبکر نقرأ ما يقع
في ايدينا من القصص أو الکتب. وفي احدی
المرات بعد سنوات تسبب لي هذا الولع في
موقف محرج مع والدي. من بين القصص الجميلة
التي وقعت بين ايدينا "خطأ" قصة انيقة
الطبع عن رعاة يرتدون الملابس الجميلة
الزاهية الألوان واغنام جميلة الاشکال هي
الاخری ترعی في حقول خضراء علی مدی البصر.
لم نکن نعرف ان القصة کانت من "الأدب
التبشيري" ولا نعرف کيف انتهت ضمن مجموعة
القصص التي جاءت من لبنان. المهم انه في
نهاية الکتاب يوجد عنوان المؤسسة الناشرة
بقصد تشجيع القراء علی طلب إرسال المزيد
من القصص لکل من يرغب فيها. وقد کان اغراء
طلب المزيد من هذه القصص حينها اقوی من ان
ادرك عاقبة الامر. دونت العنوان وارسلت
رسالة، فبدأت القصص تأتي عن طريق البريد.
وفي احد الأيام استغربت ان والدي قد جاء
اليَّ يحمل واحدة منها، وسألني عن مصدر
هذه القصص. اخبرته بحقيقة الأمر. قال لي
والدي ان موزع البريد "ياسين"، وهو الموزع
الآخر الی جانب عبد الجبار الشاهين، قد
أسرَّ والدي بالقول "إبنك يرير يصير
مسيحي؟" استغرب الوالد من طبيعة السؤال
واخبره انني أقرأ القران باستمرار، ولابد
من ان يکون هناك بعض الالتباس. وانتهی
الموضوع.
کنت فعلا مولعاً بقراءة القرآن، وکان هذا
الميل جزءً من حبي للقراءة بشکل عام. وکنا
انا وصديقي نحمل وقت العصر اکبر کتبنا
حجماً ونقطع السوق جيئة وذهابا نستعرض
امام من يشاهدنا من الجالسين في المقاهي
اننا ولدان "مثقفان". وحين کان الأولاد
الآخرون يحملون "جزء عمَّ" کنا نحن نحمل
نسختين کاملتين من القرآن . وقد اکتسب ذلك
الولع بالنسبة لي طابعاً آخر بفعل تشجيع
استاذي علي الشبيبي، الذي وجد ان "صوتي
جميل" وکان يطلب مني ان "اجوَّد" بعض
السور القصيرة خلال ساعة درس مادة الدين
والقرآن. کان يرشدني اين اقف واين اشدّدُ
علی الکلمة، واين امدها وکيف اسقط التنوين
في نهاية الآية لکي تأتي قرائتي بشکل
افضل. وقد کان السيد باقر مدير المدرسة
يقف خارج الصف احياناً يستمع لما اتلوه،
ويغدق علي بالمديح بعد الانتهاء. وبعد
سنوات عديدة سألني الأستاذ السيد باقر إن
کنت ما زلت اقرأ القرآن.* أما صديقي کامل
فقد تفرد بقراءة الخطب الحماسية وإجادتها
في درس المطالعة العربية. وعندما قمنا
بتمثيل مسرحية "فتح الأندلس"، کان طبيعياً
ان يُناطَ به دور طارق بن زياد. ولقد اجاد
الصديق کامل، کما هو متوقع، في القاء
الخطبة الشهيرة عن "العدو أمامکم والبحر
وراءکم!" لکن هذا الدور انيط في اللحظات
الأخيرة بعبد الرحمن مجيد، واوکل لکامل
دور المساعد العسکري الذي قاد الهجومات
العسکرية، فزعل. کان الاستاذان علي
الشبيبي وعبد الوهاب البدري هما من قام
بتدريب الطلاب علی أداء أدوارهم، ولقيت
المسرح