حكومة اقليم كردستان وقانون النفط والغاز
فؤاد قاسم الأمير
لقد أُثيرت خلال الشهور الماضية الكثير من الكتابات
والمناقشات والمناظرات في معظم الصحف العالمية المعروفة
ووسائل الإعلام الأخرى حول الخلافات بين الحكومة العراقية
الإتحادية (الفيدرالية/ المركزية)، وحكومة اقليم كردستان
حول قانون النفط الإقليمي الذي صدر في آب/2007 ومسودة
قانون النفط والغاز الإتحادي والتي لا تزال تحت المناقشة
بين مجلسي النواب والوزراء الإتحاديين، وكذلك حول الخلاف
الجاري بين الوزارة الإتحادية وحكومة اقليم كردستان للعدد
الهائل من عقود المشاركة بالإنتاج والتي وقعتها حكومة
الإقليم في الشهور الثلاث التي اعقبت صدور "قانون النفط
والغاز الإقليمي". بضوء ذلك، رأيت ان من المفضل اعطاء
القارئ صورة لما جرى ويجري حول هذا الموضوع الذي يمس
العراقيين كلهم وبدون استثناء، وأن اتتطرق في سياق الدراسة
الى السياسة النفطية الواجب اتخاذها بنظري في هذا
المجال. إن هذه الدراسة ليست حول مسألة النفط العراقي
بصورة عامة، ولو قد يتم التطرق الى ذلك في سياقها، وانما
لموقف حكومة اقليم كردستان الحالية من مسألة النفط العراقي
وبالأخص من قانون النفط والغاز. ليعذرني القارئ، اذ قد يرى
رجوعي لبعض ما جاء بكتابي "ثلاثية النفط العراقي"، الذي
صدر في تموز الماضي، وذلك بما يتعلق بموضوعنا اعلاه
وخصوصاً توضيح الموقف "الدستوري" أو "القانوني"، والذي
كثيراً ما يثيره ممثلوا حكومة اقليم كردستان وبرلمان
الإقليم وبإستمرار، ويعرضون الموضوع كأن الدستور الحالي
"واضح وصريح واعطاهم حق التصرف الكامل!!"، ويشيرون دائماً
الى المواد (112 و115 و121)، وبالأحرى الى فقرات "مستقطعة"
منها وكأن الدستور على علاّته لا يتضمن (وبصريح
العبارة) نقيض ما يقولون.
يلاحظ القارئ انني مع هذه الدراسة توسعت في موضوعين، في
الفصل الأول، عرضت ماذا تم على الأرض لحد الآن من إحالات
وعقود نفطية ونتائج هذه العقود، ليطلع القارئ على حجم
العمل وعلى مداه المستقبلي وتأثيره على كل السياسة
النفطية. اما في الفصل الثاني، فلقد توسعت في كيفية فهم
حكومة اقليم كردستان وغيرهم للدستور والمواد القانونية
الأخرى، والتي جعلتهم ينحون هذا المنحى البعيد عن مصالح
الشعب العراقي، والقريب من الشركات الأجنبية، مقابل فهم
الجانب الآخر وهم عديدون جداً وفهم كاتب هذه السطور من
أن الدستور لا يعطي هذا الحق لو تمت قراءته بإمعان ولكل
مواده، وانما على العكس يرفض فهم حكومة اقليم كردستان له.
إن التوسع في هذا الموضوع كان ضرورياً، لأن الموضوع اصبح
الآن دستورياً، هل لحكومة الإقليم الحق أم لا!؟، اذ لو كان
لها الحق بذلك، عند ذاك سيكون لكل محافظة، (وخصوصاً
المحافظات النفطية)، الحق بإتخاذ ما تراه مناسباً لها،
(وكذلك مناسباً لباقي العراق كما تراه هي)، وستعم الفوضى
في الصناعة النفطية، وسيكون الخاسر الأول والأكبر هو الشعب
العراقي برُمّته.
المقدمة
موجز لموقف حكومة كردستان من القانون الإتحادي للنفط
والغاز
ولما تم لمسودّة هذا القانون لحد الآن
لقد نشرت حكومة اقليم كردستان، باللغة الإنكليزية، في
9/9/2006 مسودة قانون النفط والغاز لإقليم كردستان، وذلك
لغرض مناقشتها. وكانت مسودّة مُصاغة بلغة قانونية ممتازة،
واعتمدت عقود المشاركة بالإنتاج كأساس لعقودها، واستغلت
الثغرات العديدة الموجودة في الدستور العراقي، الى اكبر
درجة ممكنة من الإستغلال، لوضع استقلالية للإقليم في
السياسة النفطية بعيدة عن الحكومة المركزية، ولوضع
"المناطق المتنازع عليها" تحت تصرف حكومة الإقليم لحين
البت النهائي بها وفق المادة (140) من الدستور.
على العكس من ذلك، قامت الحكومة الإتحادية بإكمال مسودة
القانون الإتحادي للنفط والغاز في 15/1/2007، ولم يتم
نشرها، وإنما تم تداولها بصورة محدودة جداً و"بسرية" تامة،
وقام بنشرها لأول مرة موقع الغد في 31/1/2007. كان القانون
باللغة العربي، وبلغة غير قانونية في كثير من مواده، اضافة
لذلك يحوي الكثير من التناقصات ومحاولة "التوفيق" بينها
بدون نجاح. اعلن مجلس الوزراء في أواخر شباط/2007، من أنه
تم "الإجماع" على الموافقة على مسودة 15/2/2007 لقانون
النفط والغاز الإتحادي، مع ملاحقه الأربعة. على ان مسودة
(15 شباط) هي صيغة معدلة تعديلاً بسيطاً لمسودة (15 كانون
الثاني)، مع اضافة ملاحق اربعة مهمة جداً، تتضمن تقسيماً
للحقول المكتشفة في ثلاث ملاحق، والملحق الرابع مخصص للرقع
الإستكشافية. إن هذه المسودة ايضاً كانت في منتهى
"السرية"، ونشرها موقع "رائد جرار" في اوائل آذار (ونقلها
موقع الغد عنه بنفس اليوم)، مع الملاحق ومع مذكرة تفاهم،
مؤرخة في 26/2/2007، بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم،
تشير الى مسودة 15/2/2007 مع الملاحق الأربعة، وتضع جدول
زمني لعرضها على مجلس النواب في آذار/2007 وعلى أن تتم
موافقة مجلس النواب عليها قبل نهاية أيار/2007. ما يجلب
النظر في هذه المذكرة، هو ورود فقرة فيها تقول، إن في حالة
عدم تمرير القانون في مجلس النواب ضمن هذه المدة فسيتم
اجتماع بين السيدين رئيس وزراء العراق ورئيس اقليم كردستان
لبحث سبل انجاز ذلك وذلك خلال شهر وايجاد حل على اساس احد
الخيارين، اما التمديد لما بعد 31/5/2007 أو، "يحق للطرفين
اي المركز والإقليم ابرام عقود التطوير والإنتاج وفقاً
لما جاء في الدستور ومشروع قانون النفط والغاز والمبادئ
العامة لمعايير نماذج العقود". لقد ذكرت في كتابي المشار
اليه اعلاه، من انني لا اعرف كيف سيتم تنفيذ هذه الفقرة من
الناحية القانونية او العملية؟!.
إن مسودة 15/2/2007 مع الملاحق، والتي اعلن مجلس الوزراء
الموافقة عليها بـ"الإجماع"، اعلن مجلس الوزراء ايضاً بنفس
الوقت، اي في آخر شباط/2007، من أنه ارسلها الى مجلس شورى
الدولة لتبيان الرأي وتصليح اللغة القانونية والى مجلس
النواب، للمصادقة عليها. ولقد كانت هناك إعتراضات كبيرة
على هذه الصيغة من قبل قطاعات كبيرة من الشعب العراقي،
والإعتراضات تتخلص بفقرتين، الأولى ضرورة أن تكون السياسة
النفطية مركزية، (ولا مانع من كون التنفيذ لا مركزي)،
والثانية وجود امكانية عقود المشاركة بالإنتاج مع الشركات
الأجنبية، ولو موضوعة بإسم آخر وبشكل مشوش، وإن هذه
الإمكانية تشمل حتى الحقول الكبيرة جداً، والحقول المعطاة
الى شركة النفط الوطنية، وهو أمر مرفوض. ويمكن الإطلاع على
تفاصيل هذه الأمور والأمور المنجزة لاحقاً في كتابي المشار
اليه اعلاه.
اجتمع مجلس النواب العراقي مع عدد من الخبراء في دبي في
18/4/2007، وحدث أمر مفاجئ غير متوقع، اذ رفض السيد وزير
الموارد الطبيعية لإقليم كردستان السيد آشتي هاورامي مسودة
قانون 15/2/2007 هذه وملاحقه الأربعة، وإعتبره مخالفاً
للدستور ودعى إلى رميه "في سلة المهملات"، متهماً المسودة
بأنها "بعثية وقومية". لم يعرف أحد، ولحد الآن السبب
الحقيقي في هذا "الرفض" واطلاق "هذه الصفات" على مسودة
القانون، التي اعلن عنها سيد الوزراء في 27/2/2006 إنه تمت
الموافقة عليها بالإجماع وأرسلت لمجلس النواب للمصادقة
عليها، إذ لم يحدث أن رفضها أي شخص من حكومة الإقليم أو من
الوزراء الكورد داخل الوزارة الإتحادية، الى أن اعلن السيد
آشتي هاورامي رفضه لها في 18/4. لم يقف الأمر عند هذا الحد
اذ اصدر السيد آشتي في 27/4/2007 بياناً، وباللغة
الإنكليزية، ونشر في الموقع الرسمي لحكومة إقليم كردستان
على الإنترنت. اوضح في البيان اسباب الإعتراض، وخصوصاً
الملاحق الأربعة، ووضع بدلاً من ذلك اربعة ملاحق جديدة،
وأضاف بأن القانون المعروض بشكله الحالي سوف لن يكون
دستورياً أو شرعياً وإنما باطل حتى لو صادق عليه مجلس
النواب الإتحادي!!!، وأضاف ايضاً من أن "حكومة اقليم
كردستان ستستمر في ممارسة سلطتها الكاملة المعطاة لها من
قبل دستور العراق، بضمنها مفاوضات تؤدي الى عقود مشاركة
بالإنتاج مع المستثمرين الأجانب، والقطاع الخاص".
لقد وضح إن رأي السيد آشتي هو رأي حكومة اقليم كردستان،
ولكن لم يصدر بعدها رأي من حكومة الإقليم لتأييدها،
والأعجب لم تبدِ الرئاسة العراقية، او مجلس الوزراء او
وزير النفط رأي لدحضها، رغم الأمور المهمة الواردة فيها.
على أية حال مرّ أيار، وحزيران، وتموز ولم يمرر القانون في
مجلس النواب، والأهم من ذلك لم يجتمع السيد رئيس الوزراء
بالسيد رئيس اقليم كردستان لحل الأمر، كما جاء بالمذكرة
المشار اليها اعلاه. ولكن وبدون مقدمات، عرف العراقيون إن
البرلمان في اقليم كردستان صادق في 6/8/2007 على قانون
النفط والغاز لإقليم كردستان تحت رقم (22) لسنة 2007، وتمت
مصادقة رئيس الإقليم على القانون. كان الأمر مفاجأة، ولكن
من الغريب أنه لم يثر ضجة داخل العراق، ما جاء بعده أثار
الضجة!!. في هذه الأثناء وضح للجميع أن مسودة القانون
الإتحادي تلاقي مشاكل في محاولة إمرارها، وفي تموز لم تكن
هناك صيغة واحدة لهذه المسودة، إذ اصبحت هناك مسودة منقحة
من قبل مجلس شورى الدولة، (ومرفوضة من قبله)، وهناك مسودة
تموز بملاحق وأخرى بدونها ومسودة 15/2/2007 بملاحق وبغير
ملاحق!!، واحتار مجلس النواب أي منهم يناقش. وفي هذه
الأثناء ازدادت المعارضة للقانون، وإن تمرير قانون الإقليم
اعطى المعارضة الوقت لشرح ضرر مسودة قانون النفط الفيدرالي
(والإقليمي طبعاً)، لاسيما عندما بدأت حكومة الإقليم
"الركض" بتوقيع عقود المشاركة بالإنتاج، وكما سنوضحه في
بقية هذه الدراسة. ولحد الآن ونحن في آوائل 2008 ولم تقدم
المسودة المطلوبة الى مجلس النواب لمناقشتها، وفي الظرف
الراهن فإن الأمل ضعيف جداً في إقرارها، والإحتمال الأكبر
تأجيل النظر بها.
الفصل الأول
العقود النفطية التي وقعتها حكومة إقليم كردستان
سنتحدث في هذا الفصل عن العقود التي قامت حكومة إقليم
كردستان بتوقيعها مع الشركات الأجنبية بعد صدور قانون
النفط والغاز لكردستان العراق في 6/8/2007. أما ما يتعلق
بعقود المشاركة بالإنتاج الأربعة التي كانت قد وقعتها
حكومة الإقليم في السنوات الماضية وقبل تقديم مسودة
15/2/2007 لقانون النفط والغاز الإتحادي الى مجلس النواب،
وكذلك للعقد الخامس الذي وقعته حكومة الإقليم مع "دانا كاز
DANA GAS" في نيسان الماضي، فسنتحدث عن آخر نتائجهم ضمن
هذا الفصل. لقد تعمدت أن أعرض على القارئ حجم العقود التي
تمت قبل الدخول في مدى شرعيتها أو شرعية قانون النفط
الإقليمي، والذي سيتم توضيحه في الفصل الثاني من هذه
الدراسة.
أود ان أُوضح إن الكثير من تفاصيل العقود الموقعة قد تم
أخذها من مصادر أجنبية مختلفة، فمحتوى هذه العقود لا يزال
ضمن الأمور "السرية"، وما أعطته حكومة إقليم كردستان عنها
هو معلومات بسيطة وأولية جداً. ولقد أشرت الى جميع مصادر
معلوماتي.
على ضوء أعلاه، نود أن نوضح ما يتعلق بالموضوع وضمن
التفاصيل المتوفرة لدينا وكما يلي:
1. العقد الموقع مع شركة هنت أويل Hunt Oil الأمريكية
عقد مشاركة مع شركة أميركية في مناطق متنازع عليها، بضمن
العقد حقل سابق، وأثير جدل كبير حول شرعية هذا العقد
إن عقد المشاركة بالإنتاج الذي كان قد وقع مع شركة هنت
أويل الأمريكية لا يزال محتواه قيد "السرية" المطلقة. وحتى
الإعلان عنه لم يتم في يوم التوقيع كما هو الحال في بقية
عقود حكومة الإقليم، والإحتمال الأكبر إن التوقيع تم في
آواخر آب (على الأرجح)، أو بداية أيلول. لقد أثار هذا
العقد ضجة كبيرة في الصحافة العالمية، وردود فعل كبيرة
أيضاً داخل العراق، سواء في المجلس النيابي أو داخل
الحكومة المركزية وبين العراقيين عموماً، سيما وإن بنوده
ومواقع عمله لا تزال "شبه سرية"، بعد أن كانت "سرية" وتم
فضحها نتيجة المتابعات المختلفة للجهات التي يعنيها الأمر.
إن هذه "السرية" تثير القلق أيضاً لدى الرأي العام العراقي
للأسباب التي سنوضحها.
لقد أعلنتا في 8/9/2007، كل من حكومة إقليم كردستان وشركة
هنت، إنهما وقعتا على عقد شراكة بالإنتاج، وعلى أساس أن
شركة هنت أويل اوف دلاس Hunt Oil of Dallas, Texas تكون
"الشركة المشغلة Operating Company"، ومعها شركة IEC،
Impulse Energy Crop، للعمل في محافظة دهوك!؟. وإن هذا
العقد هو أول عقد يوقع بعد تصديق قانون النفط والغاز
لإقليم كردستان العراق. وأُعلن ايضاً إن هنت ستبدأ
بالتحريات الجيولجية والزايزمية Seismic في أواخر عام 2007
وتخطط لأن تحفر بئراً في سنة 2008. علماً ان موقع حكومة
إقليم كردستان عاد في 2/10/2007 ليقول إن العقد وقع في آب
الماضي.
إن ما أثار الضجة العالمية حول العقد، هو أن شركة هنت أويل
تعتبر شركة مهمة أميركية ومتوسطة السعة، (مقارنة بالعقود
السابقة واللاحقة للإقليم والتي كانت جميعها مع شركات
نفطية صغيرة)، وهي شركة خاصة عائلية، ويرأسها "راي هنت Ray
Hunt"، وهو أحد الأشخاص المقربين جداً للرئيس بوش. كما إن
الرئيس بوش كان قد عينه لمرتين في "المجلس الإستشاري
للمخابرات الخارجية التابع للرئيس الأمريكي Presidents
Foreign Intelligence Advisory Board"، وهي جهة مهمة جداً،
وبالتأكيد ساعدت هنت في الإطلاع على المعلومات المخابراتية
الكثيرة المتعلقة بالطاقة. اضافة لذلك فإن راي هنت يعتبر
من المتبرعين الرئيسيين لحملات بوش الرئاسية ولحملات الحزب
الجمهوري الإنتخابية. وهو عضو في مجلس إدارة شركة
هاليبرتن، شركة الخدمات النفطية العملاقة، ذات السمعة
المشهورة بالفساد المالي وخصوصاً أثناء عملها في العراق،
والتي كان يرأسها ديك جيني قبل إستلامه منصبه الحالي كنائب
للرئيس الأمريكي. وخدم "راي هنت" ايضاً ومنذ آب/2004
رئيساً للبنك الإحتياطي الفيدرالي لمدينة دالاس Federal
Reserve Bank.
إن أهمية هذا العقد تأتي أيضاً من توقيعه مع شركة أميركية
معروفة، كانت قد تأسست في سنة 1934، ولها أعمال تنقيب في
الولايات المتحدة وكندا وبيرو وعُمان والسنغال وناميبيا،
ولديها إنتاج نفطي في الوقت الحاضر من حقول نفطية في
الولايات المتحدة وكندا واليمن وبيرو. وتعتبر هنت من
الشركات النفطية المتوسطة، مقارنة مثلاً بالكبار مثل BP،
وشيل Shell، وايكسون موبيل Exxon Mobil Crop وغيرهم، ولكن
صاحبها ذو نفوذ سياسي معروف الى درجة أن تتدخل صحيفة
الرأسمالية العالمية المعروفة "وول ستريت جورنال Wall
Street Journal" حيث كتبت في 10/9/2007 حول اهمية هذه
الإتفاقية: "ترينا هذه الإتفاقية استعداد بعض الشركات
الأميركية الكبيرة أن تتجاوز حكومة بغداد وتتعامل مباشرة
مع سلطات إقليم كردستان في هذا البلد الذي مزقته الحرب".
أما الموقع الألكتروني الأميركي المسمى "الإشتراكي العالمي
World Socialist Web Site" فإنه قال في مقالة لجو كاي Joe
Kay في 10/9/2007 "بعد اخذ علاقات هنت المخابراتية بنظر
الإعتبار، فإننا نرى سبباً بأن هذه الإتفاقية قد تم
تشجيعها من قبل إدارة بوش، أما كمحاولة للضغط على حكومة
المالكي، أو كخطوة لتحبيذ الأقاليم (المقصود تقديم
الأقاليم على المركز)". وتتقدم النيويورك تايمس في 14/9
خطوة اخرى في هذا المجال، إذ في مقالة لأحد صحفييها
المهمين والدائميين بول كروكمان Paul Krugman، وبعد أن
يذكر حول شركة وشخصية هنت ما سبق وأن ذكرناه أعلاه، يضيف،
"حين يضع هنت امواله مع الكورد، بالرغم من معارضة بغداد،
فإنه يراهن بصورة رئيسية بأن الحكومة العراقية، والتي لم
تنفذ ولا فقرة واحدة من سقف benchmarks المهمات المطلوب
منها تنفيذها، والتي وضعها لها الرئيس بوش في كانون الثاني
2007، ... يراهن بأن هذه الحكومة لن تستطيع أن تعمل شيئاً
إزاء ذلك."
هل إن الأمور كما مذكور اعلاه، وهل إن هذه العملية تدخل
ضمن نظرية المؤامرة "أُريك الموت ترضى بالسخونة"، أي نقبل
بتمرير قانون النفط والغاز الفيدرالي، وهل الحكومة فعلاً
"عاجزة" في هذا المجال؟ إن الضجة العالمية وردّة فعل السيد
وزير النفط العراقي، والآراء المطروحة علنياً لبوش ووزارة
الخارجية الأميركية تقول غير ذلك، على الأقل كما نراه في
الظاهر!!... لنستمر في عرض الموضوع.
وفي 19/9/2007 نقلت وكالة انباء اسوسيأتيت برس انترناشنال
API من أن النائب الديمقراطي في الكونغرس "دينيس كوسينيج
Dennis Kucinich، طلب من على منبر الكونغرس فتح تحقيق في
اتفاقية هنت "بسبب علاقة رئيسها بالرئيس بوش"، وأضاف "إن
اتفاقية نفطية لشركة أميركية مع حكومة الإقليم، وبدون
موافقة الحكومة المركزية، ستقوض السياسة الأميركية"،
واستمر بالقول "إن هذه الإتفاقية، وبسبب كونها عقد مشاركة
بالإنتاج، فإنها تنسجم مع محاولات الإدارة الأميركية
لخصخصة الصناعة النفطية العراقية المؤممة منذ زمن بعيد".
أما كاتب هذا المقال في API، فلقد أعاد الى الأذهان ما
قاله الن كرينسبان Allen Greenspan رئيس الإحتياطي
الفيدرالي Federal Reserve (أي البنك المركزي الأميركي)
لفترة طويلة جداً، وتقاعد منه قبل فترة وجيزة، حيث نشر
كتابه الشهير "عصر الإضطرابات: مغامرة في عالم جديد The
Age of Turbulence: Adventure in New World"، الذي صدر
مؤخراً واحدث ضجة كبيرة وغضب عارم في البيت الأبيض، إذ أن
كرينسبان كان من المقربين جداً لبوش ولكن ذلك لم يمنعه أن
يقول، "إن ما يحزنه هو أن يقول امراً سياسياً، يعرفه كل
واحد، بالرغم من إنه من غير الملائم معرفته. هو إن حرب
العراق هي حرب نفط بدرجة كبيرة". اجابت وزارة الخارجية
الأميركية على ذلك، "إن كرينسبان على خطأ. إن النفط لم يكن
السبب في تصرفنا في العراق". بالنسبة لي عندما سمعت جملة
وزارة الخارجية هذه، كأن النفي هو إثبات لما قاله
كرينسبان!!.
من الجدير بالذكر إن راديو سوا، (الممول من الحكومة
الأميركية)، كان قد نقل عن كوسينيج ايضاً في 25/9/2007 عن
الواشنطن بوست، "من ان هذه الصفقة تثبت ما كان يقوله منذ
خمس سنوات من ان الحرب في العراق دافعها النفط، مشيراً الى
أن لا يحق للولايات المتحدة أن تجبر بغداد عن التخلي عن
نفطها."
نلاحظ تناقضات "ظاهرية" فيما نشر عن هذا العقد. إن كل ما
نشر يؤكد على أن الشركة الأميركية مهمة وصاحبها شخص
مخابراتي وقريب جداً من بوش، ولكن وحسب ما قاله "راديو
سوا" في 25/9/ 2007 من "ان بوش أعرب عن قلقه من هذه
الصفقة، ولاسيما إذا أضرّت بقدرة الحكومة المركزية على
اقرار خطة لتقاسم العائدات النفطية التي من شأنها ان توحد
البلاد"، وأصرّ الرئيس بوش "على إنه لم يكن يعلم أي شئ عن
الصفقة قبل إبرامها على الرغم مما يعتقد الأخرين". وتضيف
النشرة النفطية الأميركية المعرفة "أخبار أويلكرام Oil
Gram News" في 24/9/2007، أن بوش قال في تصريح له في
20/9/2007، "إن السفارة الأميركية في العراق قد بينت قلقها
من هذه الإتفاقية وتأثيرها من احتمال ان تجعل قانون المواد
الهيدروكربونية العراقي موضوع غير قابل للتطبيق".
كما ذكرنا فإن الإتفاقية لم تنشر لحد الآن، ولعل "موقع
الغد" كان أول من أشار الى احتمال أن يكون قسم من الأراضي
المعطاة الى هنت هي خارج حدود إقليم كردستان الحالية،
وإنها ضمن "الأراضي المتنازع عليها disputed territories"
في محافظة نينوى!!! وبالرغم من الإعلان الأوليّ لحكومة
الإقليم حين قالت إنها ضمن حدود محافظة دهوك وكما ذكرنا
سابقاً. لقد ذكر "موقع الغد" في أواخر أيلول/2007 إن العقد
يتضمن "تراكيب جبل قند وفجر ونرجس". نشرت المجلة النفطية
الشهيرة "ميس MEES Middle East Economic Survey" في 15/10
مقالة عن الموضوع ، أن الرقع الإستكشافية blocks المعطاة
الى شركة هنت هي ثلاثة ومرقمة (6 و7 و8)، وتشمل جبل قند
وفجر ونرجس وعين سفني، وجميعها تراكيب معروفة غالبيتها في
محافظة نينوى، مما جعل المجلة أن تقول "إن احالة اراضي
متنازع عليها مع الحكومة المركزية لا تعنى فقط اعطاء مواقع
نفطية، وانما خطوة تتخذها حكومة إقليم كردستان لتضع وقائع
على الأرض لأي نقاش مقبل."
الآن لننقل بعض المعلومات المتوفرة في الأراشيف عن حقل جبل
قند.
إن البئر المحفورة سابقاً في جبل قند وصلت الى عمق
(5848)م، مما يجعله اعمق بئر محفور في شمال العراق وفي عمق
(3550)م، تم فحص له ولكن غير منتظم واعطى نفط وغاز. ويعتبر
جبل قند من قبل جيولوجيين واختصاصيين عديدين، ولأسباب
مختلفة، بأنه ليس فقط اكتشاف ولكن اكتشاف مهم. إن تركيب
قند Kand Structure يقع في محافظة نينوى وعلى بعد (35)كم
شمال مدينة الموصل وجنوب شرق عين زالة ويحتوي على ثلاث
قبب. إن البئر الأول والوحيد، والمشار اليه اعلاه، حفر بين
سنوات 981 و983 ووجد النفط في عدد من الطبقات، ولكن نتائج
الفحص اعتبرت في حينه سلبية. أما الرقع Blocks (6 و8)
الممنوحة أيضاً الى هنت فتشمل تراكيب بعشيقة، جبل مقلوب
ويحتمل بادوش، وهي تراكيب كبيرة، وذات احتمالات عالية في
العثور على المواد الهيدروكربونية في طبقة الترايسك
Triassic. أما الرقعة block 7، فأيضاً تقع مثل (8 و6) في
غالبيتها في محافظة نينوى. لهذا نرى إن تصريح ممثل حكومة
إقليم كردستان لم يكن دقيقاً عندما قال إن العقد مع شركة
هنت هو في محافظة دهوك.
لأول مرة تعترف حكومة إقليم كردستان بأنها تعمل فيما تسميه
"مناطق متنازع عليها disputed territories"، وذلك اثناء
سفر السيد عمر فتاح حسين (نائب رئيس وزراء اقليم كردستان)
والسيد آشتي هاورامي (وزير الموارد الطبيعية للإقليم)، الى
الولايات المتحدة في أواخر تشرين الثاني الماضي لإقناع
الأميركان بموقف حكومة الإقليم. وسنتطرق الى هذا الموضوع
لاحقاً. اذ قالت جريدة "أخبار دلاس الصباحية Dallas
Morning News الصادرة في 28/11/2007، والتي استمعت اليهما
في مقابلة حسب قولها ، وقالت "ان المسؤولين ذكرا إن
الإنتاج مما يسمى المناطق المتنازع عليها، سيمكن الإقليم
وتصعيد الإنتاج الى مليون برميل/اليوم". كما ذكر السيد
آشتي "إن الكرد لم يعطوا حق الإستكشاف في المناطق المتنازع
عليها!!، وإن رقع عقد هنت تقع في محافظة نينوى والتي هي
تأريخياً كردية ولكن يطالب بها العرب!!!، على حد قول
الجريدة، وأضاف السيد آشتي "على هنت أن لا تقلق لأن
المنطقة 90% كردية وإنها تدار من قبل الكرد سنة إثر سنة"،
وعندما سُئل السيد آشتي هل إن شركة هنت "متهيأة لإحتمال أن
تُبدل السيطرة في نينوى من يد الى أخرى اجاب السيد آشتي
"إن هذا إحتمال واحد بالمليون... ولو تخاف هنت هذا
الإحتمال لما جاءت اصلاً للعمل في هذه الرقع".
طبعاً إنني انقل ما قالته الجريدة، ولا استطيع الجزم بأن
السيد آشتى قال ذلك، والإحتمال الأكبر والمعقول إنه لم
يصرح بالطريقة غير المسؤولة وبالشكل المبين، والذي يشمل
عقد هنت وعقود أخرى سنتطرق اليها. إذ أن هكذا نوع من
التصاريح تثير المخاوف لدى العرب والحكومة الإتحادية،
وتريد أن تضع حقائق على الأرض وإن تجعل الحكومة المركزية
امام واقع مريب!!، في الوقت الذي لا يستفيد منها الجانب
الكوردي او أية جهة في حكومة إقليم كردستان، والأفضل
انتظار نتائج الإستفتاء قبل الدخول في مثل هذه التصاريح
الصحفية!!.
2. العقود الموقعة في 2/10/2007
ننقل هذا الخبر من موقع حكومة اقليم كردستان KRG، وهذا
الخبر والأخبار اللاحقة كنت قد حصلت عليها باللغة
الإنكليزية، لهذا يعذرني القارئ في استعمال الكتابة
الإنكليزية وكما جاءت للأسماء اما الترجمة للأسماء الى
الكردي او العربي فقد تشوبها بعض الشائبة في النطق.
اعلن وزير الموارد الطبيعية لإقليم كردستان في 2/10/2007
إن حكومة كردستان وافقت على اربعة عقود مشاركة بالإنتاج
Production Sharing Contracts PSC جديدة، وإن المجلس
الإقليمي صادق على هذه العقود، وصادق أيضاً على انشاء
مصفين في اقليم كردستان. وبهذه المناسبة قال السيد آشتي
"يجب أن نرى بعد الآن إن مسودة قانون النفط والغاز ومسودة
قانون توزيع العائدات المالية الفيدرالية سيتم تمريرهما في
الشكل المتفق عليه والمتوافق مع الدستور العراقي. وهذا
الأمر سيوفر قاعدة مناسبة للإستثمار في وسط وجنوب العراق.
إذا كنا نستخدم الدستور الفيدرالي كدليل، فإننا سنتجنب
اخطاءاً مكلفة والتي تمت في العراق في الماضي، وستتم
المشاريع ليس في كردستان فقط وانما في كل العراق"!!.
لم يقل لنا السيد آشتي ما هو القانون "المتفق عليه"، اما
"المتوافق" مع الدستور العراقي فهو كلام صحيح ويجب تطبيقه
ولكن سنرى في الفصل القادم هل قانون إقليم كردستان والعقود
الموقعة هي ضمن الدستور أم معاكسة له تماماً.
1. رقعة ميران:
يقول الخبر ان وزارة الموارد الطبيعية في إقليم كردستان
وقعت في 2/10/2007 عقدين من عقود المشاركة PSC، إذ أحالت
رقعة ميران Miran Block (بمساحة 1015 كيلومتر مربع) في
محافظة السليمانية الى شركة Heritage Energy Middle East
Ltd.، المملوكة بالكامل من الشركة الكندية "هيرتج للنفط
والغاز Heritage Oil & Gas". تعتبر مخاطر التحري
exploration risk في رقعة ميران منخفضة الى متوسطة.
2. رقعة سندي/ اميندي:
كذلك تم إحالة رقعة سندي/ اميندي Sindi/Amendi Block
(وبمساحة 2358 كيلومتر مربع)، بمحاذاة الحدود العراقية
التركية الى شركة بيرينكو كردستان المحدودة Pereno
Kurdistan، المملوكة بالكامل من شركة خاصة فرنسية للتنقيب
والتطوير تسمى Perenco S.A.. إن رقعة سندي/اميندي هي ارض
عالية المخاطر، high exploration risk area، حسب قول وزارة
الإقليم.
3. العوائد:
إن هذين العقدين هما عقدا مشاركة بالإنتاج، تكون فيه
العوائد عند الإكتشاف والعمل التجاري، 85% لحكومة الإقليم
و15% للمقاولين. إن الشروط التجارية للعقدين (وكذلك لعقد
هنت) تنسجم مع الشروط التي أصدرتها حكومة إقليم كردستان في
29 حزيران الماضي لمثل هذه العقود.
4. المصافي:
ولقد اتفق في ضمن عقد رقعة ميران مع شركة هريتيج، المشار
اليها أعلاه، أن يُشيّد مصفى بتمويل كامل من الشركة، وعلى
اساس مشروع مشترك Joint Venture مع حكومة الإقليم،
وبطاقة (20) الف برميل/ اليوم، في منطقة طق طق/ ميران وإن
يكمل المصفى خلال سنتين.
كما وافق مجلس النفط والغاز لإقليم كردستان على بناء مصفى
آخر في طق طق، يمول وينفذ من قبل الشركتين التي سبق أن
أحيل عليها تقييم وتنقيب وتطوير حقل طق طق، وهما الشركة
التركية جينيل Genel والشركة الكندية Addax. إن هذا المصفى
أيضاً بطاقة (20) الف برميل ويكمل إنشاؤه في (18) شهر. كما
يظهر إن هذين المصفيين هما من نوع المصافي البسيطة إذ أن
مدة الإنشاء قصيرة نسبياً.
5. عقدان آخران:
لقد ذكر البيان أيضاً إن التوقيع لعقدي المشاركة الآخرين
سيتم قريباً ولم يتم تحديد الجهات التي سيتم العمل معها
ولا اسماء الرقع التي سيعمل بها.
كما ذكر إن التقديرات الإستثمارية في هذه العقود ستبلغ
(800) مليون دولار، منها (300) مليون دولار للمصفيين
والأعمال اللاحقة للإنتاج، و(500) مليون دولار لتطوير
الحقول.
3. تطوير حقل طق طق:
عقد مشاركة لحقل معروف بنوعية نفط عالية.
نرى إن من المناسب الآن مناقشة تطوير حقل طق طق، لما له
علاقة بالفقرة السابقة، وايضاً لعلاقته بإنشاء مصفيين
هناك.
إن العقد الموقع بين حكومة الإقليم والكونسوريتوم الكندي
التركي Addax Jenel بقي سراً ولا تُعرف محتوياته، بالرغم
من مرور اكثر من ثلاث سنوت من توقيعه حسب المعلومات
المنشورة. وبالرغم من أن الأعمال فيه إستمرت طوال عامي
2006 و2007، ولقد بدأ بنشر بعض المعلومات المتعلقة بتطور
الأعمال ومنذ أواخر 2006 وذلك في المجلات العالمية المختصة
وبدون أن يطلع عليها أحد