أحداث كركوك في الذكرى الأولى
لثورة 14 تموز -الحلقة
السابعة

حـــامد الحمداني
أولاً : التركيب السكاني في كركوك ودوره في
الأحداث .
ثانياً : احتفالات الذكرى الأولى للثورة ووقوع
الأحداث .
ثالثاً : نتائج أحداث كركوك وانعكاساتها ,
رابعاً : قاسم يهاجم الحزب الشيوعي ويتوعد بمعاقبة
المسؤولين عن الأحداث .
خامساً : ما هو رد فعل الحزب الشيوعي على إجراءات
قاسم ؟
أولاً : التركيب السكاني لمدينة كركوك ودوره في
الأحداث
قبل الولوج في تلك الأحداث التي وقعت في كركوك، في
الذكرى الأولى لثورة الرابع عشر من تموز 958 ،
لابد أن نستعرض أحوال المدينة ، والظروف التي كانت
سائدة فيها ، والمشاكل التي كانت تعاني منها ،
والتي كان لها الدور الأكبر في تلك الأحداث .
إن مدينة كركوك تضم ثلاث قوميات رئيسية هي
التركمانية ، والكردية والعربية ، وبالإضافة إلى
ذلك أقلية آشورية .
كانت العلاقة بين القوميتين ، الكردية والتركمانية
يسودها جوٌ من التوتر والريبة منذُ زمن طويل ،
يمتد إلى أيام الحكم العثماني ، وكان هناك صراعٌ
بين القوميتين للسيطرة على المدينة ، ولا سما وأن
التركمان كانوا يعتبرون أنفسهم يمثلون الأغلبية
فيها ، في حين يعبر الأكراد أن كركوك هي جزء من
منطقة كردستان .
ولما قامت ثورة 14 تموز 958 1، وقف الأكراد إلى
جانب الثورة وساندوها بشكل حاسم ، بعد تلك
المعانات التي قاسوا منها أيام الحكم الملكي الذي
قمع ثوراتهم المتتالية ، واعدم عدد من قياداتهم ،
وخرب قراهم ، واضطر زعيمهم الملا مصطفى البارزاني
إلى اللجوء إلى الاتحاد السوفيتي منذ عام 945 ا
وحتى قيام ثورة 14 تموز 58، حيث سمح الزعيم عبد
الكريم قاسم بعودته مع رفاقه البيشمركة ، وكرمهم ،
واسكن البارزاني في قصر نوري السعيد ومنحه راتب
وزير، فيما وقف التركمان بعيدين عن تلك الثورة ،
على أقل تقدير .
وكان لاصطفاف الأكراد مع جبهة الاتحاد الوطني
ودفاعهم عن الثورة أثرٌ كبير في ازدياد حنق
التركمان على الأكراد ، كما أن الأكراد لم يشعروا
يوماً بالاطمئنان للتركمان ، الذين اتهموا بالولاء
لتركيا ، ولم ينسى الأكراد ما فعلته الدولة
العثمانية بهم ، وقد أستمر تنامي الكره لتركيا ،
بسبب موقفها من الشعب الكردي في جنوب تركيا والذي
يشكل حوالي 15 مليون نسمة .
لقد وقعت أحداث عديدة في كركوك ، وكانت مؤشراً على
عمق الهوة بين التركمان والأكراد ، بتحريض من
عملاء شركات النفط ، حيث قام التركمان باغتيال عدد
من الأكراد ، أذكر من بينهم [ سيد ولي] و[ محمد
الشربتجي] ومهاجمة [احمد رضا] بماء النار [حامض
الكبريتيك ] .
كما قامت زمرة منهم بزرع قنبلة تحت سيارة الزعيم
الكردي [مصطفى البارزاني] لمحاولة اغتياله ، ولحسن
الحظ تم اكتشاف القنبلة وتعطيلها قبل انفجارها ،
فقد كانت تلك المحاولة ستؤدي إلى مذبحة لا أحد
يعرف مداها . (1)
ثانياً : احتفالات الذكرى الأولى للثورة ووقوع
الأحداث :
أقترب موعد الذكرى الأولى لقيام ثورة الرابع عشر
من تموز ، وجرت الاستعدادات اللازمة للاحتفال بهذه
المناسبة ، في مختلف أنحاء البلاد ، وجرت اتصالات
في كركوك مع الجانب التركماني ، من أجل أن يكون
الاحتفال بهذه الذكرى مشتركاً بين كل القوى
السياسية ، وكل القوميات ، فثورة 14 تموز ، ثورة
الشعب العراقي كله ، بمختلف فئاته وانتماءاته
وقومياته ، غير أن التركمان المتعصبين رفضوا ذلك
رفضاً قاطعاً ، وأصروا على أن تكون احتفالاتهم
منفردة ، وفشلت كل المحاولات للجمع بين الأطراف .
(2)
وعلى هذا الأساس ، تقرر أن تأخذ مسيرة الاحتفال خط
سيرٍ بعيدٍ عن منطقة تجمع التركمان المتعصبين ،
حرصاً على عدم وقوع أي احتكاك بين الطرفين .
نظمت المسيرة من قبل الحزب الشيوعي ، والحزب
الديمقراطي الكردستاني ، ودعيت [مسيرة الجبهة
الوطنية ] ، وتقرر أن تكون ساحة المدرسة الثانوية
، مكان تجمع المسيرة ، ثم تنطلق إلى الشارع
الرئيسي في [ قورية ] ، ثم تمر أمام الثكنة
العسكرية قرب الجسر ، بالقرب من القلعة القديمة ،
ثم إلى الجسر الثاني ، حيث تتجه إلى شارع أطلس ،
ومن ثم تعود المسيرة إلى المكان الذي انطلقت منه ،
في ساحة الثانوية ، وقد قررت قيادة المسيرة عدم
العبور إلى [ الصوب الصغير ] منطقة تجمع التركمان
، تجنباً لأي احتكاك .
بدأت المسيرة بصورة نظامية ، تعلوها الشعارات
المقررة سلفاً ، والتي تدعوا إلى وحدة القوى
الوطنية ، من أجل دعم مسيرة الثورة ، وكان يتقدمها
مجموعات كبيرة من الأطفال ، يحملون حمامات السلام
، وهذا دليل على أنه لم تكن في نية القائمين
بالمسيرة ولا في تفكيرهم الاحتكاك أو التصادم مع
القوميين التركمان ، وكل ما قيل عن تصميم مسبق
للمسيرة لمهاجمة التركمان ، أمرٌ عارٍ عن الصحة ،
اختلقته الرجعية ، وعملاء شركات النفط ، من أجل
الإساءة للشيوعيين والبارتيين .
تقدمت مجموعة الأطفال في المسيرة مجموعة النساء ،
من رابطة الدفاع عن حقوق المرأة ، ثم بقية
المنظمات ، والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات
الفلاحية والتحق بالمسيرة عدد كبير من الجنود ،
ومن المقاومة الشعبية .
وما أن دخلت المسيرة [شارع أطلس] ، ومرت قرب
[كازينو14 تموز ] ، حتى انهال عليها القوميون
التركمان المتعصبون بالحجارة وقطع الطابق من سطح
الكازينو ، ثم ما لبثوا أن انهالوا عليهم الرصاص
من كل جانب ، وحلت الفوضى بالمسيرة ، وأخذ
المشاركون يتزاحمون ، ويندفعون للخروج من الشارع
الضيق ، وديس عدد منهم تحت الأرجل ، واستطاع بعض
المشاركين في المسيرة شق طريقهم نحو مصدر النيران
والحجارة ، فيما راحت الجموع تزحف فوق بعضها البعض
، في جو من الفزع والفوضى ، وكان منظر الأطفال ،
والأقدام تدوسهم مؤلم جداً ، كما سقط العديد من
النساء بين الأرجل . (3)
لم يكن في تلك اللحظة من الممكن السيطرة على جموح
وغضب الجماهير الشعبية بينما الرصاص والحجارة ما
زالت تنهمر عليهم من القلعة القديمة ، لكن رد
الفعل لدى المشاركين في المسيرة من المواطنين
الكرد كان اشد بكثير من الفعل سواء كانوا من
العناصر المحسوبة على الحزب الديمقراطي الكردستاني
أم الحزب الشيوعي ، فقد تغلبت الدوافع القومية لدى
الأكراد بما فيهم الشيوعيين منهم ، والمعبأة
بالكراهية بين القوميتين الكردية والتركمانية ،
مما أفقد القدرة لدى قيادة المسيرة على السيطرة
على جموح المشاركين فيها ، والذين اندفعوا
للانتقام من العناصر التركمانية ، وخاصة المعروفة
منهم بعدائها للكرد ، وللشيوعيين.
وهكذا انفلت الوضع ، وباتت السيطرة عليه شبه
مستحيلة ، وسيطرة روح الانتقام ووقعت الواقعة التي
كان يخشى من حدوثها، وانطلقت لغة الرصاص الذي ستمر
ثلاثة أيام متتالية ، ولم يسكت إطلاق الرصاص إلا
بعد أن نزلت قوات الجيش والمقاومة الشعبية ، وجرت
مصادمات عنيفة بين قوات الجيش والمقاومة الشعبية
وبين العناصر التركمانية ، وجرى تمشيط القلعة
للبحث عن المسلحين ، وقد جرت مشاركة المقاومة
الشعبية بطلب من قيادة الفرقة الثانية ، بموجب
توجيهات وصلتها من بغداد ، وكان حصيلة تلك الأحداث
،مقتل [ 32 ] فرداً معظمهم من التركمان ، وتم
اعتقال عدد آخر منهم وضعوا رهن التحقيق .
ثالثاً : نتائج أحداث كركوك وانعكاساتها :
إن احداث كركوك ، لم تكن إلا مؤامرة ، دبرتها
القوى الرجعية المعادية لثورة 14 تموز ومسيرتها ،
ولم يكن عملاء شركات النفط بعيدين عن تلك الأحداث
، ومحرضين عليها .
لقد جرى تضخيم تلك الأحداث ، وفبركة وقائع لم تقع
إطلاقاً ، وظهرت شائعاتهم التي كانت تقول أنه كانت
هناك مجزرة أُعد لها مسبقاً ، وذهب ضحيتها المئات
، بل الألوف ، ملصقين أشنع التهم بالحزب الشيوعي ،
من أجل استعداء السلطة عليه ، وجرى تصوير جثث عدد
من القتلى من جهات مختلفة ، وكانت الوجوه مشوهة ،
لكي يقال أن عدد القتلى كان كبيراً ، كما تكّشف
فيما بعد ، أن كثيراً من صور حرب التحرير
الجزائرية ، وجرائم المستعمرين الفرنسيين ، ضد
الشعب الجزائري ، قد استخدمت في ذلك التزييف ، لكي
يصوروا ما حدث وكأنه مجزرة كبرى قام بها الشيوعيون
ضد التركمان ، في حين كان الحزب دائم الحرص على
تمتين عرى الاخوة العربية ، التركمانية ، وبيانات
الحزب المنشورة في صحيفته [اتحاد الشعب] خير دليل
على ذلك ، فقد ورد في الصحيفة في عددها الصادر في
3 آب 959 ما يلي : (4)
{ إننا ننبه أولئك الرجعيين ، الشوفينيين ، الذين
يوغرون صدور التركمان ، ويثيرون المخاوف بين
الكردي والعربي والتركماني ، ويزرعون في عين الوقت
بذور الفتن ، ويبثون الشكوك والأكاذيب بين
الجماهير الكردية ، ضد إخواننا التركمان ، إننا
ندعو المواطنين الكرام إلى التزام جانب الحذر
واليقظة ، والتمسك بعرى الاخوة والاتحاد بين مختلف
القوميات } . وفي شهادة مدير شرطة كركوك أمام
المجلس العرفي العسكري حول الأحداث قال :
[ إنه بسبب العداء المستحكم بين التركمان والأكراد
، وبالنظر إلى الاستفزازات التي قام بها التركمان
، والتي سبقت المسيرة ، وفي أثنائها اتخذت
التدابير المقتضية من قبلنا ، وفي حوالي الساعة
السابعة ، عندما وصلت المسيرة إلى الجسر القديم ،
وهي في طريقها إلى القلعة ، اقتربت منها تظاهرة
للتركمان ، وكان أهلها يركبون سيارات تابعة للجيش
، فتدخلت الشرطة ، وحجزت بين الطرفين ، وتقدمت
المسيرة حتى وصلت إلى مقهى 14 تموز ، وهي مقهى
يرتادها التركمان ، وعلى حين غرة انهالت الأحجار
فوق رؤوس المشاركين في المسيرة ، وصار هرج ومرج ،
ثم تطور ذلك إلى استخدام السلاح ، ودوى صوت إطلاق
الرصاص على المسيرة .
أخذ الجنود وقوات المقاومة الشعبية يطلقون الرصاص
، باتجاه مصدر النيران والحجارة ، وكانت غالبيتهم
من العناصر الكردية ، وقد تمللكم الحنق والكراهية
وُقتل نتيجة ذلك 20 فرداً من التركمان ، وجرى سحل
بعضهم ، وكان ذلك العمل بشعاً ومرفوضاً ، وكان من
بينهم[عطا خير الله] و[عثمان الجايجي] صاحب المقهى
، واثنان من أبناء مختار محلة الخاصة [فؤاد عثمان]
، وبلغ عدد الجرحى من الطرفين [ 130] فرداً ، وقد
جرى خلال تلك الأحداث مهاجمة 70 مقهى ومحل تجاري
عائدة للتركمان ، وجرى نهبها أو إحراقها . ( 5)
رابعاً:قاسم يهاجم الشيوعيين ويتوعد بمعاقبة
المسؤولين عن الأحداث:
بدأت التقارير والصور والعرائض من قبل التركمان ،
تنهال على عبد الكريم قاسم تتهم الشيوعيين بتدبير
مجزرة في كركوك ضدهم ، وصدّق قاسم تلك التقارير
والصور ، قبل أن يجري أي تحقيق .
ربما لم يدرك ألاعيب الرجعية ، وعملاء شركات النفط
، التي غذت تلك الأحداث وضخمتها من أجل تمزيق وحدة
القوى الوطنية ، وبالتالي إضعاف السلطة وعزلها عن
أشد المدافعين عنها .
وربما أراد قاسم نفسه بالذات ، تضخيم تلك الأحداث
واتخاذها مبرراً لإضعاف الحزب الشيوعي وتحجيمه ،
ومن ثم ضربه ، بعد أن تنامت قوته ، وتوسع تأثيره
على مجرى الأحداث في البلاد ، فلقد سارع قاسم إلى
عقد مؤتمر صحفي تحدث فيه عن الأحداث قائلاً :
{ إن الفوضويون يتوجهون إلى المنازل التي أُشروا
عليها سابقاً في خرائطهم ، فأخرجوا أصحابها ،
وفتكوا بهم } . (6)
وقد تبين فيما بعد ، أن دائرة الكهرباء هي التي
قامت بوضع إشارات على الدور ، لأسباب فنية وإدارية
تتعلق بعملها . (7)
وفي 2 آب 959 ، ذكر قاسم أن عدد القتلى كان ( 79 )
فرداً ، ثم عاد في 2 كانون الثاني وأكد أن عدد
القتلى لا يتجاوز (32 ) فرداً ، وقد تأكد للمجلس
العرفي العسكري أن عدد القتلى كان ( 32 ) فرداً
منهم (29 ) تركمانياً ،و( 3 ) أكراد ، وجرح ( 130
) فرداً بينهم (6) أكراد أستمر قاسم في مهاجمة
الحزب الشيوعي ، وكانت خطاباته عنيفة جداً ،
وتصريحاته لا تخلو من التهديد والوعيد ، وكان رد
فعله عنيفاً أثناء خطابه في كنيسة مار يوسف ، وفي
مؤتمره الصحفي وفي حديثه مع وفد اتحاد نقابات
العمال في 4 آب 959 . (8)
ففي خطابه في كنيسة مار يوسف ، قال عبد الكريم
قاسم :
{ إن ما حدث أخيراً في كركوك ، فأني اشجبه تماماً
، وباستطاعتنا أيها الاخوة ، أن نسحق كل من يتصدى
لأبناء الشعب بأعمال فوضوية ، نتيجة للحزازات ،
والأحقاد ،والتعصب الأعمى . أنني سأحاسب حساباً
عسيراً أولئك الذين اعتدوا على حرية الشعب في
كركوك ، بصورة خاصة ، ثم أضاف قاسم قائلاً : أولئك
الذين يّدعون بالحرية ، ويدّعون بالديمقراطية ، لا
يعتدون على أبناء الشعب ، اعتداءً وحشياً . إن
أحداث كركوك ، لطخة سوداء في تاريخنا ، ولطخة
سوداء في تاريخ ثورتنا . هل فعل ذلك جنكيز خان ،
أو هولاكو من قبل ؟ ، هل هذه هي مدنية القرن
العشرين ؟ ، لقد ذهب ضحية هذه الحوادث 79 قتيلاً ،
يضاف إليهم 46 شخصاً دُفنوا أحياء ، وقد تم إنقاذ
البعض منهم } . (9)
لكن قاسم ما لبث أن تراجع قليلاً عن كلامه قائلاً
:
{ إننا لا نلقي اللوم والمسؤولية على مبدأ ، أو
حزب معين ، الأفراد هم المسؤولون عن هذه وسنحاسبهم
كأفراد ، ولا نريد اضطهاد المنظمات }!!!. (10)
لقد كان قاسم في تلك الأيام على غير عادته ، قد
فقد توازنه ، وانساق بشكل عاطفي ، أنساه ما أعتاد
عليه من حذر ، وصبر ، وأناة ، فكانت خطاباته تلقي
الحطب على الحريق ، وتبين أن ما ورد حول دفن
الأحياء لا أساس له من الصحة كما ورد في محاكمات
المجلس العرفي العسكري . (11)
وتبين فيما بعد أن قاسم أراد استغلال تلك الأحداث
كذريعة لتحجيم الحزب الشيوعي وإضعافه ، وضربه ،
بعد أن توسع نفوذه في صفوف الجماهير ، وقد أرعبته
مسيرة الأول من أيار 959 ، والتي رفع خلالها الحزب
الشيوعي شعار إشراكه في السلطة { عاش الزعيم عبد
الكريمٍ، الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم } . هكذا
إذاً وجد قاسم أن استخدام أحداث الموصل وكركوك خير
ذريعة لتوجيه ضربته للحزب . ولا بد لكل منصف ،
وحيادي أن يسأل :
1 ـ مْن بدأ الاعتداء على المسيرة ؟ ومن أطلق
النار وقذف الحجارة ؟
2ـ منْ زور الصور ،وصوّر الأحداث كأنها مجزرة كبرى
قالت عنها أذاع راديو [ صوت العرب ] بأن عدد
القتلى بلغ [ 3500 فرداً ] ؟ (12)
3 ـ هل خُدع قاسم بالتقارير التي نُقلت له عن تلك
الأحداث ؟ وهل كان من الصعب عليه الوصول للحقيقة ؟
4 ـ هل كان قاسم يعرف الحقيقة ، لكنه أراد استخدام
تلك الأحداث لتوجيه ضربته للحزب الشيوعي ؟
5 ـ هل كان بمقدور الحزب الشيوعي ، خلال تلك
الأحداث ، السيطرة على الجماهير الغاضبة ، ومنع
القتولات التي حصلت، وما رافقها من سحل للجثث؟
6 ـ ما هو دور عملاء شركات في تلك الأحداث ؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة تلقي الضوء على تلك
الأحداث التي كانت تمثل بداية الانتكاسة لثورة
الرابع عشر من تموز ، واستمرت في تراجعها حتى وقوع
انقلاب الثامن شباط 963 1.
لقد قام قاسم بتشكيل لجنتين للتحقيق ، ومنحهما
صلاحيات واسعة ، وأرسل الأولى إلى الموصل والثانية
إلى كركوك ، وزودها مسبقا بأسماء ابرز الشيوعيين
المعروفين في المدينتين المذكورتين ، مع مذكرات
بإلقاء القبض عليهم ، حيث جرى اعتقالهم ، مما يشير
إلى قرار مسبق من الزعيم عبد الكريم قاسم بتقليم
أظافر الشيوعيين تمهيداً لضرب حزبهم وإخراجه من
الساحة السياسية ، بعد أن حصلت لديه القناعة أن
الحزب الشيوعي بات قاب قوسين أو أدنى من انتزاع
السلطة !!.
وطافت سيارات عسكرية مجهزة بمكبرات الصوت ، داعية
الناس إلى التقدم للشهادة ضد المعتقلين ، المتهمين
بأحداث الموصل وكركوك ، وأُحيل المعتقلون إلى
المجالس العرفية العسكرية لتحكم عليهم بأحكام
قاسية وطويلة ، وسيق المحكومون إلى سجن [ نقرة
السلمان ] السيئ الصيت ، والذي أنشأه نوري السعيد
في وسط الصحراء بعيداً عن أهلهم وذويهم ، وحينما
وقع انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963 ، وجد
الانقلابيون ، الصيد في القفص ، حيث أسرعوا إلى
إعادة محاكمتهم من جديد ، خلافاً للقانون ، بعد أن
استخدموا معهم أبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي
، وأصدروا بحق العديد منهم أحكام الموت ، ونفذوها
في شوارع الموصل وكركوك .
خامساً: ما هو رد فعل الحزب الشيوعي على إجراءات
قاسم ؟
جاء رد فعل الحزب الشيوعي على الهجوم الذي شنه
قاسم عليه سريعاً ، حيث أعلن الحزب في مقال
افتتاحي لصحيفة الحزب [ اتحاد الشعب ] وجاء فيه :
{ قيل عنا بأننا نؤمن بالعنف ، ضمن إطار الحركة
الوطنية ، وبعلاقاتنا مع القوي الوطنية الأخرى إن
هذا محض دس وافتراء ، يقصد به التشهير ليس إلا،
وكنا قد أكدنا في مقال افتتاحي معروف ، نُشر منذُ
زمن بعيد ، بأن الأسلوب هو المحك ، ولكن يبدو الآن
أن هناك نية متقصدة لُيقرن هذا الموقف الصحيح
الثابت باندفاع بعض البسطاء ، وغير الحزبيين من
جماهير الشعب .
نحن نرفض وندين بصورة مطلقة كل أشكال الاعتداء على
الناس الأبرياء ، وأي عمل من أعمال التعذيب حتى
بحق الخونة ، إن إدانتنا لهذه الممارسات ، هي
إدانة مبدأية}. (13)
وفي الثالث من آب 959 ، نشر الحزب موجز التقرير
الموسع لاجتماع اللجنة المركزية للحزب الذي أكد
على إدانة كل شكل من أشكال الاعتداء ، والعنف ضد
الخصوم السياسيين ، وكل أعمال القتل ، أو السحل ،
أو النهب والحرق ، التي حدثت في كركوك والموصل ،
مؤكداً على أهمية الحلف بين الحزب والسلطة ، وكافة
القوى الوطنية من أجل دفع مسيرة الثورة إلى أمام
لتحقيق أماني الشعب ، مؤكداً السير بخطى ثابتة مع
قيادة الثورة ، وحماية مكتسباتها ، التي هي ثمرة
تضحيات كبيرة عبر السنين . (14)
لقد كانت أحداث كركوك تمثل القشة التي قصمت ظهر
البعير ، كما تقول الأمثال ، بالنسبة للحزب
الشيوعي ، وقد اتخذها عبد الكريم قاسم ذريعة لشن
هجومه على الحزب واصفا تصرفاته بأنها أسوأ من
تصرفات هولاكو ، ولا شك في أن تلك التشبيهات لا
صلة لها بالواقع .
لكن موقف الحزب الشيوعي أتسم بعد أحداث كركوك
بالتراجع ، والتخاذل ، ولم يتخذ موقف الدفاع عن
نفسه ضد الهجمة الشرسة التي شنتها القوى الرجعية
ضده ، وساعدها جهاز السلطة الموروث عن العهد
الملكي ، وكان لموقف قاسم من الحزب الأثر الحاسم
في دعم تلك الهجمة من أجل تقليص دور الحزب وتحجيمه
، وتوجيه الضربات المتتالية له ، كما سيرد فيما
بعد .
____________________________
توثيق الفصل السابع
(1)سلام عادل ـ سيرة مناضل ـ ثمينة ناجي يوسف
ونزار خالد ـ ص 66 ـ67 .
(2) العراق ـ الكتاب الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 226
(3) نفس المصدر السابق
(4) بيان صادر من ا الشيوعي العراقي في 3 أيلول
1958
(5) تقرير الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب
الشيوعي العراقي ـ أواسط تموز 1959 .
(6) العراق ـ الجزء الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 269 .
(7) صحيفة اتحاد الشعب ـ العدد 131 ـ 29 حزيران
959 .
(8) ثورة 14 تموز ـ د . ليث الزبيدي ـ ص 252 .
(9) نفس المصدر ـ ص 253 .
(10) المصدر السابق ـ ص 255 .
(11)محاكمة المتهمين بأحداث كركوك أمام المجلس
العرفي العسكري في أيلول 1959 .
(12)إذاعة صوت العرب من القاهرة
(13) افتتاحية اتحاد الشعب في 2 آب 1959 .
(14) صحيفة اتحاد الشعب في 23 آب 1959 .