اهلا وسهلا بكم في موقع ناصريه . نت

ذكريات السنين العجاف......حوار مع عدنان الشاطي
الحلقة الثــالثة


حوار: رحيـــم  الغالبي
raheemalghalbi@yahoo.com
18 آذار  2008
 

في نهاية الحلقةالثانية من الحوار مع الزميل رحيم الغالبي تطرقت الی الوضع السياسي في تلك الايام وعن الاوضاع السيئة والاجرامية ضد الجنود العراقيين في جبهات القتال في الحرب مع ايران، وتطرقت ايضا الى علاقاتي مع الآخرين في الجيش العراقي وعن تنظيمات حزب البعث في الجيش. وأخيراً أوردت محاولة اخي عادل وصديقه الاستاذ عودة الفاشلة للهروب الى الكويت.

 وأود أن أشكر الاخوة والاخوات الذين بعثوا بتعليقاتهم وتضامنهم وتشجيعهم لي بالاستمرار بالكتابة وازاحة هموم تلك السنين العجاف عن صدري ، ومنهم الأعزاء د. محمد الأزرقي و د. سعدي الجادر وصديق الطفولة الصحفي الأستاذ أكرم التميمي و د.  كامل الشطري و الشاعر الفحل خلدون جاويد والصحفي المخضرم والأستاذ الكبير خـــالص عزمي و  د. تيسير الآلوسي و الأستاذ فاروق كنا والاستاذ باقر الفضلي والشاعر وكاتب الاغنية العراقية المبدع فالح حسون الدراجي والاستاذ على الدهان، وآخرين من العراق وايطاليا والمانيا  والولايات المتحدة والسويد والنرويج وفنلندا.

وأشكر أخواتي العزيزات رباب وسندس ونرجس الشاطي وعوائلهن على متابعة الحوار وتضامنهم معي، وأشكر الاخ أمير أمين منشد وكريم طارش على تزويدي بمعلومات وتفاصيل لأحداث لم أذكرها في الجزئين السابقين. وأعدهم بأنني سأضيف تلك المعلومات والأسماء التي فاتني ذكرها لسببين أحدهما هو أنني لم أتذكر كل هذه الأسماء دون السؤال والبحث، وثانيهما أنني لم اتوقع أن اغطي كل هذه الفترة الزمنية من حياتي . وأعتذر عن الاخطاء في بعض الأسماء والمعلومات التي وردت في هذا الحوار عند نشره وتم تصحيحها فيما بعد.
 وان من فضائل هذا الحوار بعد نشره هي عثوري على أعزّة من الاخوة والاصدقاء والزملاء الذين فقدت الأتصال بهم لسنين طويلة، وقرأوا الحوار معي واتصلوا بي مباشرة كالاخ الاستاذ على فهد ياسين - ألمانيا، والفضيلة الأخرى هي كذلك أعادة ترتيب تلك الأحداث والذكريات وتسجيلها على الورق هذه المرة!

 وفي هذه الحلقة اورد اجاباتي أدناه عن مجموعة اخری من اسئلة الزميل الغالبي
( إقرأ الجزء الأول), ( إقرأ الجزء الثاني). (تعليقات)
 عدنان الشاطي
 

س: هل استمرت الاجتماعات الحزبية في البصرة، وهل كنتم تناقشون أوضاع  الحرب في جبهات القتال؟

ج: عندما انتقلنا الى معسكر الزبير في البصرة كان الوضع سيئاً جداً، وتبعثر الرفاق وكذلك اجتماعات التوجيه السياسي الحزبية، التي كان يحلو لهم تسميتها بـ " التثقيفية!". عندما كانوا يدعون جميع الجنود والضباط والمراتب الأخرى للأجتماع، يتقاطر الجميع الى القاعة ببطء شديد. وكان رئيس عرفاء الوحدة يعلق على ذلك بقوله:  إسرع ..إسرع..شلون مشي هذا .....عبالك صُخرة جايبينهم!!! وهذا بالضبط ما كان الجنود والضباط يشعرون به. "صُخره"! ، وتعني "جبراً" بدون دافع ذاتي للحضور. وكان نائب ضابط التوجيه السياسي عبدالرحمن خريبط يتابع الجنود من كل صوب ويدعوهم لحضور الندوة "الثقافية". ما كان معظم العسكريين في وحدتي العسكرية افضل حالاً مني، وأن معظمهم (قد تصل نسبتهم الى  80 بالمئة منهم حسب سجلات التوجيه السياسي) كان برتبة "مؤيد" أو "چايچي الحزب -على الأقل!!
 وهذا اقل ما يمكن ان تقوم به لتحاشي الاذى في العراق آنئذِِِ.  كان الرفاق من الضباط يحاضرون في موضوع واحد عادة في تلك الأجتماعات وهو " منجزات حزب البعث "!! ولا يعرف أحدٌ عندها ما هي حقيقة منجزات الحزب!  كان الكل يعرف بأنها منجزات وهمية مقارنة بالمدة الزمنية التي سيطر فيها حزب البعث على مقدرات البلاد ومصادرها الطبيعية وبين حجم الدمار الذي أصاب البلاد بعد ذلك.


صديقي العزيز واشرف بعثي عرفته - الرفيق إعلان بابتسامته العذبة يتوسط رفاق آخرين لا أذكر أسماءهم في معسكر الديوانية -1985

من اليسار - ن.ض. عبدالرحمن خريبط صاحب مقولة  "صوابك بَلجبود ..الخصـ.....ليش ملتهبات..يوللو..!!" ومساعديه عريف صباح (رسام القعقاع) وماجد المراسل  وعدنان الشاطي

لا يقدر أي منا أن يناقش تلك المنجزات وواقعيتها أثناء تلك الأجتماعات البائسة, ولكن كنت اجد خلالها مواساة كبيرة حينما يهمس في أذني صديقي العزيز النائب عريف إحتياط إسماعيل حسون بقوله: "عدنان .. تره احنه زين عشنا بهذا الوكت، لو انت جنت سيّد هاشمي وعايش بزمن العباسيين لچان ما عندك مكان تختفي بيه!! تصور الأمام الرضا شرد الى مشهد وتبعته المخابرات العباسية هناك وقتلوه!!...عمّي..إحْمد ربك..بعدنه نگدر نشوف اهلنه!!!". وأضاف مطمئنا: " اصبر كلها بعد نص ساعة وينتهي الأجتماع ونروح للزبير نلعب دومنه!!".

لا أحد كان يتطوع للأجابة على أسئلة الرفيق المحاضر، وينتهي الأجتماع بتطوع المحاضر بتلاوة الاسئلة والأجوبة عن منجزات الثورة "البيضاء"! واذكر ذات مرة في معسكر الديوانية عندما سأل ضابط التوجيه السياسي أحد نواب الضباط القدامى من أهالي الحلة – وهو من الذين تأخر تسريحهم لعشر سنين تقريباً- عن منجزات الحزب. أرتبك الرجل الكبير وقال:"  سيدي أن منجزات الحزب كثيرة..ما نگدر نحسبهن!!"  فقال الضابط:
" اريدك تذكرلي انجاز واحد فقط!!"، فأخذ النائب الضابط يتلفت يمنة ويسرة, ثم قال: " مثلاً...تروح الى گراج الديوانية..الحزب خلالنه سيارات للحلة..وسيارات للسماوة...وسيارات للشنافية...وين تريد تسافر..أكو سيارات!  حتى لو تريد تروح للشطرة..هم تلگه سيارات تنتظرك!!.. كلها هاي طبعاً بفضل الحزب والثورة!!!!"

ولم يتمالك الجميع من الضحك على هذه الكوميديا الرسمية!.  فرد عليه ضابط التوجيه السياسي بإزدراء: " إگعد..إگعد ..مو انت نايب ضابط .... متعرف منجزات الحزب....؟!!"


المهندس الزراعي والخطاط  رعد السيد حسن في مكتبه الفني للأعلانات - دبي-2003


العزيز وليد ماضي والاستاذ غالب الأمين وعدنان الشاطي - ناصريه -
 ديسمبر2003- في أول زيارة للعراق بعد الغيبة الكبرى (18  عاما"!!)

وحدثني صديقي العزيز وليد ماضي - من ثوارانتفاضة 1991 ويعيش في الدنيمارك حالياً- عن قصته مع حزب البعث عندما التحق بالجيش بعد تخرجه من كلية الأدارة والأقتصاد- بغداد 1978.

( سألني ضابط التوجيه السياسي بقوله: هل انت بعثي؟!!
وقلت: كلا ..سيدي.
 فقال: لماذ؟
فقلت: مالحّگت..!!
فقال الضابط: شنو..لك...مالحّگت؟!!...ليش إشگد صارله الحزب بالعراق؟!
فقلت: هوايه سيدي..صارله سنين!!
فقال الضابط: لعد ليش ما لحّگت؟!!
فقلت: سيدي ..كلما.. انوي واريد اسجل بالحزب ..يصير عدنه قـَدَرْ!!
فقال الضابط:  شنو ..قدَر ..لك شنو هالكلاوات مالتكم هاي..؟
فقلت: صدگ ..سيدي ..مرة ماتت أمي..ومرة..مات جيراننا ..وآخر مرة..گلت لازم اسجّل..فرِحِت الى مدينة الألعاب في بغداد لكن وگعت من الدولاب الهوائي وفقراتي كلها  تكسرت!!!)

فضحك  الضابط. وهذا ما حدث بالفعل لوليد الذي استغل الحادث لصالحه، واطلع الضابط على التقارير الطبية من أطباء بغداد وعن حادث السقوط.  فتركوا وليد لحاله، واحيل الى الجيش كمعوق..بعيداً عن جبهات القتال!!

أما عن اوضاع الحرب على جبهات القتال، فكنا نستمع الى آخر البيانات الحربية من محطات غير محطات بغداد وبسرية تامة، وكنا نستخدم سماعات الاذن لكي لا يسمعنا أحد.  وفي اليوم التالي كنا نتبادل الأخبار والآمال بسقوط النظام البعثي.  ولكن هذا لم يحصل ..وكنا نتوقع ذلك، لأن العالم كله كان يهتف لصدام وحزبه الفاشي ولمغامراته الحربية واستهتاره بكرامة الأنسان العراقي.  وكنا في ذلك الوقت في قمة اليأس من الحلول السريعة. وكنا نعرف في تلك الأيام بأن الحكومة العراقية أدهى من حكومة إيران آنذاك، وكانت تستخدم كل الوسائل السياسية والدينية لرعاع العرب والمسلمين. فلا مانع لدى الحكومة البعثية في بغداد من التعامل مع الشيطان من اجل هزيمة ايران في الحرب.  وقد شهدنا ذلك في تطويع صدام لأعلام الأعراب من الأردن الى المغرب العربي الى أواكس السعودية وغيرها من أجل أهداف الحزب الفاشي في العراق، وكان لا خلاص من تلك الحال إلا بمعجزة!! ولم يعد مهما أن نفكر بأسباب الحرب في ذلك الوقت لأن الحرب دخلت عامها السادس. ولم يعرف أي منا حجم خسائرنا البشرية والاقتصادية والبيئية بعد، سواء كانت على على جبهات القتال أو داخل الوطن المغدور. وكان الشعب العراقي الأعزل يعرف بأن الحرب قد وصلت الى طريق مسدود لأن الدول الكبرى ومنها الولايات المتحدة كانت لها حساباتها الخاصة في منطقة الخليج العربي.  وعرف الشعب العراقي أيضاً بأن سياسات الولايات المتحدة الخارجية قائمة على أسس المصالح والمنافع الأقتصادية والتجارية وليست قائمة على اسس مبدئية إنسانية وأخلاقية.

س: كم كان راتبك الشهري؟

ج - كان راتبي الشهري كجندي إحتياط حوالي 40 ديناراً، وعندما ترقيت الى جندي "أول" إحتياط تضاعف راتبي الى 80 ديناراً تقريباً. هذا المبلغ بعد الخصومات ودفع نصف دينار ثمناً لشراء كتاب خير الله طلفاح بعنوان" الأمام علي بن أبي طالب". كان شراء الكتاب عملية إجبارية في المعسكرات والمنظمات الحزبية ودوائر الدولة الأخرى.  ولا يمكن أن ترفض شراء ذلك الكتاب حتى لو كانت لديك نسخة منه في البيت!!  وطبعاً جلب هذا الكتاب ألوف الدنانير الى جيب طلفاح التي لا تملؤها أموال الدنيا. خرج معي مرة صديقي العزيز المهندس ستار حسين الموّاشي بعد إستلام رواتبنا الشهرية وفي يده كتاب خير الله طلفاح، والتفت اليّ وسألني: هل أعطاك ضابط الرواتب ملازم أول عدنان - مهني طيّب من بعقوبة - كتاب طلفاح أيضاً؟!! فقلت: طبعاً..فقال باستهزاء:  كنت اتوقع من الرفيق طلفاح أن يكتب عن التكنولوجيا هذه المرة.. ولكنه خيّب آمالي!! وضحك من كل قلبه!! وكان خلفنا الصديق العزيز عباس الكربلائي يتمتم بوضوح وهو يتصفح نفس الكتاب، وكأنه يريدنا أن نسمع ما يقول:  شوف هذا الأرعن ياخذ من مصادرنا ويبيع علينا!!

كان الجنود على العموم في حالة إفلاس تام بعد اليوم العاشر من الشهر، وكان معظم الجنود يعملون أيام الاجازات لكي يجمعوا بعض المصاريف لعوائلهم.  كنا نستدين من بعضنا البعض لتمشية أمورنا، وقد أقترضت من صديقي العزيز جاسم محمد - سائق فيات (أو-أم) للركاب من الديوانية- حوالي 200 دينار لترميم بيتنا وبناء غرفة إضافية لنا واشتريت أيضاً تلفزيون جديد نمساوي، بقي يعمل في البيت لوقت طويل حتى بعد رحيلي لقلة إستخدامه.

س: ذكرت بأن بعض أصدقاءك كانوا بعثيين, كيف كانت ردود أفعالهم خلال تللك السنوات عما يجري في البلاد؟

ج - لقد كان معظم ما يفعله الرفاق آنذاك مدعاة للسخرية والاستهجان. كنا نقارن وضعنا كعراقيين بوضع الفلسطينيين تحت الأحتلال الأسرائيلي، واكتشفنا عندها بأننا أتعس حالاً منهم!  فجهود الشعب العراقي عموماً تحولت تدريجياً من خدمة الشعب والوطن  الى خدمة القائد الهيبة وحزبه و"كوناته" الحربية.  كل ذلك يحدث والشعب يتفرّج بحسرة على ما آلت اليه الأمور من سيء الى أسوأ.  تحولت طاقات العراق الحربية والثقافية والاعلامية الى ماكنة ضخمة للتهريج والتطبيل للقائد الضرورة وحزبه الفاشي وبمباركة " مجلس الغنم الوطني"! والطامة الكبرى هي أن الكثير من البعثيين كانوا يعرفون ذلك. وكمثال على ذلك اورد هذه الواقعة:

 دعاني آمر الوحدة العسكرية مرة لخط إسمه على بعض أوراقه الخاصة. دخل عليه أحد أصدقائه من الضباط الحزبيين فسلموا عليه وسأله أحدهم : شلونه الحزب؟!! فقال وهو يبتسم لهم: يلعَب .. لِعبْ!! وضحك الجميع ثم جلسوا.  فسأله أحدهم وهو ينظراليّ بريبة: هذا منو؟  فقال لهم الآمر بفخر: هذا الخطاط مالي!! والتفت الضيوف نحوي وسألوني : انت بالتنظيم؟!  فأجاب الآمر بسرعة دون أن يتأكد مني: طبعاً بالتنظيم.أكو واحد ليهسه مو بالتنظيم بالعراق العظيم؟ ...هاهاها...!!


الخط الوسط  من اليسار- المجموعة الكوميدية - العزيزين ميشو وجابر ابو البوريات وعدنان الشاطي وجاسم محمد -1985
جابر وميشو بالذات ساعدوا في جعل اجتماعات التوجيه السياسي "الثقافية" لقاءات لا تؤخذ بمحمل الجد ّ و مناسبات للضحك والهزل!

فأرتحت من ذلك وانشغلت بالخط. وعادوا الى مزاحهم. ثم سأله كبيرهم بلهجة جدية: وين فايلات الرفاق؟ فأجاب الآمر بلا مبالاة: هذيچ الفايلات تحت الصندوق ياكل بيها الفــار! التفت الضيوف خلفهم, وبالفعل كانت هناك اضبارة من الفايلات الصفر مبعثرة تئن  تحت صندوق خشبي من صناديق العتاد الروسية الخضراء. عندها طلب مني الآمر مغادرة الغرفة ففعلت، وسمعت أصوات قهقهات عالية من خلفي.

لقد كنا نحن المستقلين وفيما بعد " مؤيدين - لعدم توفر رتبة حزبية أقل من مؤيد كچايچي الحزب أو طباخ الحزب ، كما ذكرت سابقاً- أحسن حالاً من الرفاق، لأننا نستطيع ان نتحدث عن هذه الأشياء ونضحك على مهازل الوضع السياسي. واعتقد بأنهم كانوا يحسدوننا على مجال الحرية الضيق هذا. كنت أستفز صديقي الطيب الرفيق إعــلان -أحد المسؤولين الحزبيين في المعسكر- واقول له : لقد مضى على تأسيس الحزب أكثر من 35 عاماً فماذا حصل لأهداف الحزب؟! وين صارت الوحدة والحرية والأشتراكية؟ فقال إعــلان مرة مبرّراً:
 شوف يا چايچي ..بالنسبة للوحدة ..كلنا يعرف خرّبها العميل الأسد لأنه اراد أن يستولي على الحزب، وهذا طبعاً مرفوض!!
 فقلت: طبعاً مرفوض..لا يا عميل يا أسد!!
 ثم تابع إعلان:  والحريّة... - فصمت قليلاً -..ثم قال: طبعاً هسه إحنه في حرب ! وأما الأشتراكية فهناك العديد من المنجزات من الجمعيات الفلاحية والمعامل... !
 والتفت اليّ وبادرني بسؤال: متگلي انت منو حزّمك عليّ..ليش تسألني ؟!!
 قلت له بود دون أن أحرجه أكثر من ذلك: عزيزي إعــلان..مدا اتشوف مصيرنه الموت في كل الأحوال. إذا منموت من الفقر نموت في جبهات القتال مالت حروبكم القومية!! ودفاعكم عن البوابة الشرقية!
واردت بعدها أن ألطف الجو وأطلق أحدى دعاباتي الخانقة، فقلت: عندي ولد صديق من العمارة بيتهم بالكحلاء، كلش قريب من البوابة الشرقية، خابرني قبل فترة يحلف ويگول البوابة الشرقية أصلاً كلشي ما بيها ، مقفولة صار لها دهر..وقفالتها مزنجرة ومحد يگدر يفتحها، لا ايران ولا ابو ايران!

أبتسم إعلان بألم واضح ورقة عشائرية، وقال: ارجوك ابو قحطان بعد لا تسألني بهاي الأمور متشوف أني حالي حالكم. أشو حتى إشتراكاتكم آني أدفعها. ولعلمك لو مو حالتنه زينة من الزراعة لچان من زمان طلعت كسر! متگلي آني شمحصل من الحزب؟! أشو حتى بْوگه ما أعرف أبوگ!!

كان هذا آخر أحاديثي في موضوع الحزب مع صديقي الطيب إعلان، إذ تسرح بعدها وودعته بحرارة ولم أره بعد ذلك.

س: ذكرت بأنك كنت تعمل بالخط والرسم, كيف ومتى بدأ حبك للفن؟

ج- أول عمل فني أراه كان في الأهوار عندما كنا صغاراً. كانت بنت خالتي رسمية تعمل لنا منحوتات من الطين تحت ظلال النخيل، وكانت تعلمنا نحن الاولاد كيف نعجن الطين ونقلد منحوتاتها من ابقار وطيور، وكانت تلك التجربة مفيدة لي وداومت على العمل بها لوحدي لفترة طويلة. كانت شيئاً مختلفاً عن الأشياء التي كنا نقضي أوقاتنا بها كالتفتيش عن أعشاش البلابل والحمام ومحاصرة الاسماك في ألواح الشلب او في السواقي أو مطاردة الضفادع طوال اليوم، وكانت الأخيرة هوايتي المفضلة التي لازالت عائلة الشاطي تتذكرها!


عدنان الشاطي - وقفة على الفرات -ناحية العكيكة -1980

"رسميّه - الفنانة الفطرية"- رسم عدنان الشاطي

عندما انتقلنا الى بغداد في اكتوبر من عام 1958، أي بعد ثورة تموز بثلاثة أشهر، كان بيتنا الأول في منطقة الصرافية، وكنا بالقرب من الجسر الحديدي وقربنا محلج قطن ومستشفى. كان البيت كبيراً جداً وکأنه فندق تتوسطه باحة كبيرة. وتوجد فيه غرف كثيرة مؤجرة لعوائل من عدة مناطق من العراق. وأتذكر والدتي تقول بعد حديثها مع جيراننا وتقول هؤلاء من العمارة وهؤلاء من الرمادي وبعقوبة وغيرها. لا اتذكر اطفالاً بعمرنا يلعبون في تلك الدار غيرنا الثلاثة, انا واخويَّ عادل وسالم. ولكني أتذكر جيداً شاباً كان يجلس على كرسي صغيرفي وسط باحة الدار وظهره الى الشمس، وامامه لوحة قماش بيضاء وبعد دقائق تتحول الى لوحة جميلة خلابة بالنسبة لي!

 لا أتذكر جيداً ما کان مرسوما عليها، ولكني كنت معجباً جداً بما كان يفعل!  كان الرجل لطيفاً معي ويدعوني للجلوس بقربه . كنت اراقبه يمزج الألوان السحرية التي أراها لأول مرة وهي تتلألأ في الشمس.  وهي تذكرني بالوان الطبيعة في الأهوار.  كنت أرى في رسومه طبيعتي أنا التي تركتها هناك في أرض سومر. كانت ألوانه نفس ألألوان التي رأيتها في الطين والبردي والنخيل والزوارق والطيور وفي شروق الشمس وغروبها وفي الغيوم والمطر والليل وألوان أخرى لا اعرف اسمائها.  ولكن الفرق هنا هو ان هذا الرجل بدا لي كالساحر يتلاعب بالالوان كيف يشاء.  كنت اجلس بجانبه مبهوراً بما كان يفعل، واتذكر أنه كان يتحدث معي في أشياء كثيرة لا أفهمها ولا أتذكرها.
عندما رجعنا الى الأهوار ثم الى الناصرية في نهاية عام 1962، کان لي زميل في الصف الثالث في مدرسة خالد بن الوليد الأبتدائية. وتقع هذه المدرسة في الجانب الغربي من الفرات مقابل منطقة الشرقية ومحلة الصابئة على الضفة المقابلة من الفرات. وتحولت هذه المدرسة بعد عام في 8 شباط عام 1963 الى معتقل وغرف تعذيب استخدمها فاشيو البعث للتنکيل بالوطنيين من الأحزاب العراقية وخصوصاً اليساريين. كنت بين الطلبة يوم رجعنا الى الصفوف وشاهدنا الجدران والمراوح السقفية  ملطخة بالدماء الزكية لأبناء الناصرية.


كشافة مدرسة خالد بن الوليد الآبتدائية -1964 الناصريه
ويظهر في الامام
الأديب الأستاذ جواد مشاري من اليمين والى جانبه اخي الاستاذ عادل الشاطي وانا خلفه على الخط الابيض  من اليمين

كان إسم صديقي تمر هــاشم.  كان تمر أسمر نحيفاً ذا شمائل عذبة، هادئ الطبع أنيقاً وذكياً. وكنت أرسم مع تمر في درس الرسم. كان كثير الأعتناء بأقلامه الملونه التي كنت أشاركه فيها. كانت تلك الاقلام مدببة وجاهزة على الدوام.  وفاجأني برسوماته البدوية يوماً، فسألته أين رأيت هذه؟ فقال: أنا كنت هناك!  - واخذ يشرح لي- هذه بيوت الشعَر وهذه الجمال وهذه الحمير! لقد كانت حقاً رسوما في غاية الدقة والجمال. كانت رسومه تبدو لي وكأنها رُسمت من مكان أعلى من مستوى النظر او من خلال نظرة طير يحلق فوق خيام البدو وحيواناتهم. سألته مرة اين رأى تلك المناظر، فقال بأنه قد رجع لتوه مع عائلته من البرّ. هذا ماتبقى في ذاكرتي عن صديقي تمر هاشم.  ولكني وجدت مواساة في تعرفي على صديق جديد في الصف الخامس الأبتدائي وفقدته فيما بعد وهو الشهيد الطبيب حسن مرجان.

تحوّل تمر هاشم الى صديق حميم لي، وكنت لا أصبر حتى أراه في اليوم التالي. أعترف الآن بأن تمر كان فناناً فطرياً بارعاً، تعلمت منه استخدام الأقلام الملونة  وكيفية تهيئتها للرسم. ولكن لم تدم تلك الصداقة طويلاً، فبعد عام واحد من لقاءنا إختفى تمر هاشم فجأة من المدرسة ومن حياتي. سألت عنه  كثيراً ولكن دون جدوی. وعرفت مؤخراً بأن هناك أكثر من تمر هاشم في الناصرية.  أحدهم له أولاد من ثوارالانتفاضة الشعبانية 1991 ويعيشون في شيكاغو -الولايات المتحدة. ولكنه ليس تمرهاشم صاحبي الفنان. ولو سنحت له الفرصة لرعاية موهبته المبكرة لكان له شأن آخر في عالم الفن التشكيلي. وما أكثر ما فقدنا من المواهب الجميلة الواعدة في زمن الصراعات والمهاترات السياسية والحروب الفاشلة.


والدي المرحوم حسين الشاطي -1981


ناظم الخليلية على الفرات -شمال شرق سوق الشيوخ

في متوسطة الجمهورية قدم لي والدي المرحوم هدية عندما اجتزت الامتحان الى الصف الثاني المتوسط. وكانت الهدية كراساً للراحل محمد هاشم الخطاط. كانت من اجمل الهدايا التي استلمتها على الاطلاق! وطبعاً سهرت الليالي على التمرين في تقليد الخطوط العربية الجميلة.  وكنت مستعداً لمنافسة صديقي العزيز رعد السيد حسن البزاز ومؤيد داود وعبد الهادي كاظم القط ومحمد رضا السعدي وجمال جاسم شداد.  كان البقية يقلدون حروف الطباعة وليس الخطوط العربية المعروفة، ما عدا رعد السيد حسن الذي كان ملماً بأنواع الخطوط التي كنت أعرفها آنذاك. كنا ننتظر الفرصة بين الدروس بفارغ الصبر لكي نكتب بالطباشير بعض الكلمات الصعبة أمام الطلاب الذي تبرعوا بالتحكيم.! ولكن المشكلة هي أن معظم الحكام لم يعرفوا انواع الخطوط ولكنهم اعتمدوا على جمالية الخط في تحكيمهم.  وطبعاً كنا نتناوب على الفوز في تلك المنافسات البريئة.

وفي تلك الأيام كنت أزور المرسم واراقب استاذنا الرسام محمد رضا وهو يعيد رسم لوحات عالمية مشهورة  لرسامي عصر النهضة الايطالية ولوحات أخرى لا اعرفها. وكان المرسم متصل بالجانب الشرقي من المسرح الكبير لأعدادية الناصرية.  وكان المرسم تدخله الشمس في الصباح ومطلاً على حديقة المدرسة، وفي الجانب الآخر غرف عديدة للمدير والهيئة التدريسية والادارة.  وكان الاستاذ ماجد الجنابي يشرف على  منافسات كرة المنضدة أثناء الفرص بين الدروس.  لازلت أذكر ذلك جيداً وأذكر حانوت المدرسة وكيك ابو السمسم والشاي. وأذكر أيضاً أستاذ مادة الجغرافية جاسم محمد الخلف، البعثي الذي اصبح مديراً لبلدية الناصرية بعد انقلاب حزب البعث المشؤوم في 17 تموز عام 1968.


ألتقط لنا هذه الصورة الأخ  قاسم المصور  في مدينة البدعة ونحن في سفرة مدرسية الى مدينة لكش الأثرية في 16 ديسمبر 1966
ويظهر في الصورة رياض سيف- فيصل حمادي- فريد جادر(مختفياً تحت أبط  المدرس الأيسر!) - فاضل طعمة- جليل هاشم- مجيد جوا د-
 مؤيد داود -ياسين عايد- علي يونس- رحيم ناجي
- سرمد عبدالجبار -  منعم عبدالرحيم -  محمد ميزر - مجيد حسن مجيد -
 وفي الامام مع التفاحة عبد الهادي كاظم وعدنان الشاطي - مع مدرس الأحياء الاستاذ صاحب جمعة وأخرين من صفوف أخرى

كانت الحياة في فترة الستينات من القرن الماضي مفعمة بالحيوية والنشاط والشعور بالأنتماء الوطني للعراق وأرضه وشعبه، ومع كل ذلك كنا نحس بوجود الصراعات الخفية بين التيارات السياسية التقدمية والقومية والدينية.
وكلنا يعرف ماذا حلّ بالوطن من كوارث بسبب موقف المرجعية الدينية في النجف الأشرف آنذاك تجاه الشعب  وقواه الوطنية والطليعية.  فبدلاً من أن تقف بحزم أمام عدو الشعب الحقيقي المتمثل بحزب البعث الفاشي أصدرت
فتواها التكفيرية ضد الحزب الشيوعي العراقي.  وبدأت بعدها رحلة الشعب العراقي مع الألم وويلات وكوارث الفاشية وحروبها منذ إنقلابهم الأسود في 17 تموز 1968 الى يومنا هذا.

س: ماذا حصل لأصدقاء الدراسة المتوسطة الذين ذكرتهم ؟

ج- تخرج رعد السيد حسن من كلية الزراعة ورحل الى الأمارات العربية المتحدة وزرته وعائلته عام 2003 وبقيت عنده عدة ايام نسترجع فيها تلك الذكريات الجميلة.  وهو متزوج وله ولد وبنت ويدير شركة للتصميم والخط في دبي، وأما مؤيد داود فيعمل مهندساً في دائرة مياه دبي. وجاء لزيارتي عندما زرت رعد وسهرنا وتحدثنا لساعات.  أما فريد جادر فيعمل مهندس نفط في كركوك، ولم أوفق برؤية العزيزعبد الهادي القط عندما زرت الناصرية مرتين  بعد سقوط النظام الفاشي. وقيل لي أنه يعمل في مجال الصحة.  أما جمال جاسم فقد تخرج في معهد النفط ولكنه يعمل في الصيدلية التي تملكها العائلة في الناصرية, وهو شقيق الصديق -ابو عگال- محمود جاسم شداد الذي تبعنا الى ايطاليا ولايزال مقيما في مدينة فلورنسا منذ عام 1977. والأعزاء الدكتور محمد رضا السعدي فيعمل كطبيب في لندن والمهندس جواد بدر الأزرقي والمهندس الزراعي الاستاذ علي فهد ياسين وعلي جهيد وجوني شاكر طوبيا وسعد ثجيل عطية والمرحوم علوان الدسم وشهيد فلسطين صديقي العزيز صفاء محمد علي -أول شهيد في الجولان في حرب أكتوبر من الأسكان. وهناك أصدقاء كثيرون مثل د. مازن عبدالحميد وأكرم الحمداني ومحمد طالب الأسدي وعبدالعزيز الحميضي و الأديب الرائع زيدان حمود.

س: لقد ذكرت لي بأنكم كنتم تزرعون الرز واشياء اخرى وماذا كنتم تصطادون في الأهوار،  فهل تغيّر ذلك في مناطق سوق الشيوخ والاهوار؟

ج- كانت بيوت أجدادي قريبة من بعضها البعض، واذكر بأننا كنا نمشي لساعة تقريباً لنصل من بيت إلى آخر. كان بيت جدي الشاطي في عشيرة البو شعيرة وجدي جبر الصبيح من أمي في عشيرة الرحَمَة.  وكان كلا الموقعين على حافة الأهوار وفيهما النخيل والماء. ولكن ارض جدي الشاطي كان اكثرها على اليابسة، وكنا نزرع الحنطة والشعير، والخضروات كالبطيخ والخيار والطماطم واللوبيا للاستهلاك العائلي، ولدينا بعض الأبقار ونصيد السمك في النهر المسمى أبو غراب الذي كان يبعد حوالي عشرين متراً عن جدار البيت.  وفي موسم المياه المرتفعة - الخنياب - نصيد السمك في الأهوار المحيطة بنا. ويصطاد عمي طيور الماء والخضيري بالشباك.