|
اهلا وسهلا بكم في موقع ناصريه . نت |
|||||||||||
|
ذكريات السنين العجاف......حوار
مع عدنان الشاطي
في نهاية الحلقةالثانية من
الحوار مع الزميل رحيم الغالبي تطرقت الی
الوضع السياسي في تلك الايام وعن الاوضاع السيئة
والاجرامية ضد الجنود العراقيين في جبهات القتال في الحرب
مع ايران، وتطرقت ايضا الى علاقاتي مع
الآخرين في الجيش العراقي وعن تنظيمات حزب البعث في الجيش. وأخيراً
أوردت محاولة اخي عادل وصديقه الاستاذ عودة
الفاشلة للهروب الى الكويت.
وفي هذه الحلقة اورد اجاباتي
أدناه
عن مجموعة اخری من اسئلة الزميل الغالبي. س: هل استمرت الاجتماعات الحزبية في البصرة، وهل كنتم تناقشون أوضاع الحرب في جبهات القتال؟
ج: عندما انتقلنا الى
معسكر الزبير في البصرة كان الوضع سيئاً جداً، وتبعثر
الرفاق وكذلك اجتماعات التوجيه السياسي الحزبية، التي كان
يحلو لهم تسميتها بـ " التثقيفية!". عندما كانوا يدعون
جميع الجنود والضباط والمراتب الأخرى للأجتماع، يتقاطر
الجميع الى القاعة ببطء شديد. وكان رئيس عرفاء الوحدة يعلق
على ذلك بقوله: إسرع ..إسرع..شلون مشي هذا .....عبالك
صُخرة جايبينهم!!! وهذا بالضبط ما كان الجنود والضباط
يشعرون به. "صُخره"!
، وتعني "جبراً" بدون دافع ذاتي
للحضور. وكان نائب ضابط التوجيه السياسي عبدالرحمن خريبط
يتابع الجنود من كل صوب ويدعوهم لحضور الندوة "الثقافية".
ما كان معظم العسكريين في وحدتي العسكرية افضل حالاً مني،
وأن معظمهم (قد تصل نسبتهم الى 80 بالمئة منهم حسب سجلات
التوجيه السياسي) كان برتبة "مؤيد" أو "چايچي الحزب -على
الأقل!!
لا يقدر أي منا
أن يناقش تلك المنجزات وواقعيتها أثناء تلك الأجتماعات
البائسة, ولكن
كنت اجد
خلالها مواساة كبيرة حينما يهمس
في أذني
صديقي العزيز النائب عريف إحتياط إسماعيل حسون بقوله: "عدنان
.. تره احنه زين عشنا بهذا الوكت، لو انت جنت سيّد هاشمي
وعايش بزمن العباسيين لچان ما عندك مكان تختفي بيه!! تصور
الأمام الرضا شرد
الى مشهد وتبعته المخابرات العباسية هناك
وقتلوه!!...عمّي..إحْمد ربك..بعدنه نگدر نشوف اهلنه!!!". وأضاف
مطمئنا: " اصبر كلها بعد نص ساعة وينتهي الأجتماع ونروح
للزبير نلعب دومنه!!".
وحدثني صديقي العزيز وليد ماضي - من
ثوارانتفاضة 1991 ويعيش في الدنيمارك حالياً- عن قصته مع
حزب البعث عندما التحق بالجيش بعد تخرجه من كلية الأدارة
والأقتصاد- بغداد 1978. س: كم كان راتبك الشهري؟ ج -
كان راتبي الشهري كجندي إحتياط حوالي 40 ديناراً، وعندما
ترقيت الى جندي "أول" إحتياط تضاعف راتبي الى 80 ديناراً
تقريباً. هذا المبلغ بعد الخصومات ودفع نصف دينار ثمناً
لشراء كتاب خير الله طلفاح بعنوان" الأمام علي بن أبي
طالب". كان شراء الكتاب عملية إجبارية
في المعسكرات
والمنظمات الحزبية
ودوائر الدولة الأخرى. ولا يمكن أن ترفض شراء ذلك الكتاب حتى
لو كانت لديك نسخة منه في البيت!! وطبعاً جلب هذا الكتاب
ألوف الدنانير الى جيب طلفاح التي لا تملؤها أموال
الدنيا. خرج معي مرة صديقي العزيز المهندس ستار حسين
الموّاشي بعد إستلام رواتبنا الشهرية وفي يده كتاب خير
الله طلفاح، والتفت اليّ وسألني: هل أعطاك ضابط الرواتب
ملازم أول عدنان - مهني طيّب من بعقوبة - كتاب طلفاح
أيضاً؟!! فقلت: طبعاً..فقال باستهزاء: كنت اتوقع من
الرفيق طلفاح أن يكتب عن التكنولوجيا هذه المرة.. ولكنه
خيّب آمالي!! وضحك من كل قلبه!! وكان خلفنا الصديق العزيز
عباس الكربلائي يتمتم بوضوح وهو يتصفح نفس الكتاب، وكأنه
يريدنا أن نسمع ما يقول: شوف هذا الأرعن ياخذ من مصادرنا
ويبيع علينا!! س: ذكرت بأن بعض أصدقاءك كانوا بعثيين, كيف كانت ردود أفعالهم خلال تللك السنوات عما يجري في البلاد؟ ج - لقد كان معظم ما يفعله الرفاق آنذاك مدعاة للسخرية والاستهجان. كنا نقارن وضعنا كعراقيين بوضع الفلسطينيين تحت الأحتلال الأسرائيلي، واكتشفنا عندها بأننا أتعس حالاً منهم! فجهود الشعب العراقي عموماً تحولت تدريجياً من خدمة الشعب والوطن الى خدمة القائد الهيبة وحزبه و"كوناته" الحربية. كل ذلك يحدث والشعب يتفرّج بحسرة على ما آلت اليه الأمور من سيء الى أسوأ. تحولت طاقات العراق الحربية والثقافية والاعلامية الى ماكنة ضخمة للتهريج والتطبيل للقائد الضرورة وحزبه الفاشي وبمباركة " مجلس الغنم الوطني"! والطامة الكبرى هي أن الكثير من البعثيين كانوا يعرفون ذلك. وكمثال على ذلك اورد هذه الواقعة: دعاني آمر الوحدة العسكرية مرة لخط إسمه على بعض أوراقه الخاصة. دخل عليه أحد أصدقائه من الضباط الحزبيين فسلموا عليه وسأله أحدهم : شلونه الحزب؟!! فقال وهو يبتسم لهم: يلعَب .. لِعبْ!! وضحك الجميع ثم جلسوا. فسأله أحدهم وهو ينظراليّ بريبة: هذا منو؟ فقال لهم الآمر بفخر: هذا الخطاط مالي!! والتفت الضيوف نحوي وسألوني : انت بالتنظيم؟! فأجاب الآمر بسرعة دون أن يتأكد مني: طبعاً بالتنظيم.أكو واحد ليهسه مو بالتنظيم بالعراق العظيم؟ ...هاهاها...!!
فأرتحت من ذلك وانشغلت
بالخط. وعادوا الى مزاحهم. ثم سأله كبيرهم بلهجة جدية: وين
فايلات الرفاق؟ فأجاب الآمر بلا مبالاة: هذيچ الفايلات تحت
الصندوق ياكل بيها الفــار! التفت الضيوف خلفهم, وبالفعل
كانت هناك اضبارة من الفايلات الصفر مبعثرة تئن تحت صندوق
خشبي من صناديق العتاد الروسية الخضراء. عندها طلب مني
الآمر مغادرة الغرفة ففعلت، وسمعت أصوات قهقهات عالية من
خلفي. ج- أول عمل فني أراه كان في الأهوار عندما كنا صغاراً. كانت بنت خالتي رسمية تعمل لنا منحوتات من الطين تحت ظلال النخيل، وكانت تعلمنا نحن الاولاد كيف نعجن الطين ونقلد منحوتاتها من ابقار وطيور، وكانت تلك التجربة مفيدة لي وداومت على العمل بها لوحدي لفترة طويلة. كانت شيئاً مختلفاً عن الأشياء التي كنا نقضي أوقاتنا بها كالتفتيش عن أعشاش البلابل والحمام ومحاصرة الاسماك في ألواح الشلب او في السواقي أو مطاردة الضفادع طوال اليوم، وكانت الأخيرة هوايتي المفضلة التي لازالت عائلة الشاطي تتذكرها!
عندما انتقلنا الى بغداد في اكتوبر من عام 1958، أي بعد ثورة تموز بثلاثة أشهر، كان بيتنا الأول في منطقة الصرافية، وكنا بالقرب من الجسر الحديدي وقربنا محلج قطن ومستشفى. كان البيت كبيراً جداً وکأنه فندق تتوسطه باحة كبيرة. وتوجد فيه غرف كثيرة مؤجرة لعوائل من عدة مناطق من العراق. وأتذكر والدتي تقول بعد حديثها مع جيراننا وتقول هؤلاء من العمارة وهؤلاء من الرمادي وبعقوبة وغيرها. لا اتذكر اطفالاً بعمرنا يلعبون في تلك الدار غيرنا الثلاثة, انا واخويَّ عادل وسالم. ولكني أتذكر جيداً شاباً كان يجلس على كرسي صغيرفي وسط باحة الدار وظهره الى الشمس، وامامه لوحة قماش بيضاء وبعد دقائق تتحول الى لوحة جميلة خلابة بالنسبة لي!
لا أتذكر جيداً ما کان مرسوما عليها، ولكني كنت
معجباً جداً بما كان يفعل! كان الرجل لطيفاً معي ويدعوني
للجلوس بقربه . كنت اراقبه يمزج الألوان السحرية التي
أراها لأول مرة وهي تتلألأ في الشمس. وهي تذكرني بالوان
الطبيعة في الأهوار. كنت أرى في رسومه طبيعتي أنا التي
تركتها هناك في أرض سومر. كانت ألوانه نفس ألألوان التي
رأيتها في الطين والبردي والنخيل والزوارق والطيور وفي
شروق الشمس وغروبها وفي الغيوم والمطر والليل وألوان أخرى
لا اعرف اسمائها. ولكن الفرق هنا هو ان هذا الرجل بدا لي
كالساحر يتلاعب بالالوان كيف يشاء. كنت اجلس بجانبه
مبهوراً بما
كان يفعل، واتذكر أنه كان يتحدث معي في أشياء
كثيرة لا أفهمها ولا أتذكرها.
كان إسم صديقي تمر
هــاشم. كان تمر أسمر نحيفاً ذا شمائل عذبة، هادئ الطبع
أنيقاً وذكياً. وكنت أرسم مع تمر في درس الرسم. كان كثير
الأعتناء بأقلامه الملونه التي كنت أشاركه فيها. كانت تلك
الاقلام مدببة وجاهزة على الدوام. وفاجأني برسوماته
البدوية يوماً، فسألته أين رأيت هذه؟ فقال: أنا كنت هناك!
- واخذ يشرح لي- هذه بيوت الشعَر وهذه الجمال وهذه الحمير!
لقد كانت حقاً رسوما في غاية الدقة والجمال. كانت رسومه
تبدو لي وكأنها رُسمت من مكان أعلى من مستوى النظر او من
خلال نظرة طير يحلق فوق خيام البدو وحيواناتهم. سألته مرة
اين رأى تلك المناظر، فقال بأنه قد رجع لتوه مع عائلته من
البرّ. هذا ماتبقى في ذاكرتي عن صديقي تمر هاشم. ولكني
وجدت مواساة في تعرفي على صديق جديد في الصف الخامس
الأبتدائي وفقدته فيما بعد وهو الشهيد الطبيب حسن مرجان.
في
متوسطة الجمهورية قدم لي والدي المرحوم هدية عندما اجتزت
الامتحان الى الصف الثاني المتوسط. وكانت الهدية كراساً
للراحل محمد هاشم الخطاط. كانت من اجمل الهدايا التي
استلمتها على الاطلاق! وطبعاً سهرت الليالي على التمرين في
تقليد الخطوط العربية الجميلة. وكنت مستعداً لمنافسة
صديقي العزيز رعد السيد حسن البزاز ومؤيد داود وعبد الهادي
كاظم القط ومحمد رضا السعدي وجمال جاسم شداد. كان البقية
يقلدون حروف الطباعة وليس الخطوط العربية المعروفة، ما عدا
رعد السيد حسن الذي كان ملماً بأنواع الخطوط التي كنت
أعرفها آنذاك. كنا ننتظر الفرصة بين الدروس بفارغ الصبر
لكي نكتب بالطباشير بعض الكلمات الصعبة أمام الطلاب الذي
تبرعوا بالتحكيم.! ولكن المشكلة هي أن معظم الحكام لم
يعرفوا انواع الخطوط ولكنهم اعتمدوا على جمالية الخط في
تحكيمهم. وطبعاً كنا نتناوب على الفوز في تلك المنافسات
البريئة.
كانت الحياة في فترة
الستينات من القرن الماضي مفعمة بالحيوية والنشاط والشعور
بالأنتماء الوطني للعراق وأرضه وشعبه، ومع كل ذلك كنا نحس
بوجود الصراعات الخفية بين التيارات السياسية التقدمية
والقومية والدينية. س: ماذا حصل لأصدقاء الدراسة المتوسطة الذين ذكرتهم ؟ ج- تخرج رعد السيد حسن من كلية الزراعة ورحل الى الأمارات العربية المتحدة وزرته وعائلته عام 2003 وبقيت عنده عدة ايام نسترجع فيها تلك الذكريات الجميلة. وهو متزوج وله ولد وبنت ويدير شركة للتصميم والخط في دبي، وأما مؤيد داود فيعمل مهندساً في دائرة مياه دبي. وجاء لزيارتي عندما زرت رعد وسهرنا وتحدثنا لساعات. أما فريد جادر فيعمل مهندس نفط في كركوك، ولم أوفق برؤية العزيزعبد الهادي القط عندما زرت الناصرية مرتين بعد سقوط النظام الفاشي. وقيل لي أنه يعمل في مجال الصحة. أما جمال جاسم فقد تخرج في معهد النفط ولكنه يعمل في الصيدلية التي تملكها العائلة في الناصرية, وهو شقيق الصديق -ابو عگال- محمود جاسم شداد الذي تبعنا الى ايطاليا ولايزال مقيما في مدينة فلورنسا منذ عام 1977. والأعزاء الدكتور محمد رضا السعدي فيعمل كطبيب في لندن والمهندس جواد بدر الأزرقي والمهندس الزراعي الاستاذ علي فهد ياسين وعلي جهيد وجوني شاكر طوبيا وسعد ثجيل عطية والمرحوم علوان الدسم وشهيد فلسطين صديقي العزيز صفاء محمد علي -أول شهيد في الجولان في حرب أكتوبر من الأسكان. وهناك أصدقاء كثيرون مثل د. مازن عبدالحميد وأكرم الحمداني ومحمد طالب الأسدي وعبدالعزيز الحميضي و الأديب الرائع زيدان حمود. س: لقد ذكرت لي بأنكم كنتم تزرعون الرز واشياء اخرى وماذا كنتم تصطادون في الأهوار، فهل تغيّر ذلك في مناطق سوق الشيوخ والاهوار؟ ج- كانت بيوت أجدادي قريبة من بعضها البعض، واذكر بأننا كنا نمشي لساعة تقريباً لنصل من بيت إلى آخر. كان بيت جدي الشاطي في عشيرة البو شعيرة وجدي جبر الصبيح من أمي في عشيرة الرحَمَة. وكان كلا الموقعين على حافة الأهوار وفيهما النخيل والماء. ولكن ارض جدي الشاطي كان اكثرها على اليابسة، وكنا نزرع الحنطة والشعير، والخضروات كالبطيخ والخيار والطماطم واللوبيا للاستهلاك العائلي، ولدينا بعض الأبقار ونصيد السمك في النهر المسمى أبو غراب الذي كان يبعد حوالي عشرين متراً عن جدار البيت. وفي موسم المياه المرتفعة - الخنياب - نصيد السمك في الأهوار المحيطة بنا. ويصطاد عمي طيور الماء والخضيري بالشباك. |