بل
لماذا هذ الفزع من رفض المعاهدة؟ 1-2

صائب خليل
23 حزيران 2008
أناقش في هذه المقالة بعض طروحات مؤيدي المعاهدة
الأمريكية العراقية، بادئاً في هذا الجزء الأول
بالسيدين شاكر النابلسي و جوزيف شلال، وفي الجزء
الثاني سأناقش طروحات الدكتور عبد الخالق حسين
والدكتور كاظم حبيب، رغم أني أعتبر الأخير معارضاً
للمعاهدة وإن لم يعلن عن معارضته لها جهرا .
يطرح الأستاذ شاكر النابلسي السؤال: لماذا كل هذا
الفزع من الاتفاقية الأمريكية - العراقية؟
حتى لو افترضنا حسن نية السؤال من الزميل الأردني،
وهو أمر لا تشجع عليه معرفتنا لكتاباته السابقة
(1)، فإن ما يطرحه سؤال مقلوب. فـ "الخوف" و "الفزع"
من المستقبل بدون أميركا لحمايتنا هو ما يطرحه
المروجون للمعاهدة، بل يمكن القول أن الخوف هو حجر
الزاوية لتمرير المعاهدة الأمريكية مثل الكثير من
المشاريع المماثلة لها في التأريخ، بينما يرى
معارضوها أن هذا "الخوف" مبالغ به. فإذا كان هناك
من يمكن أن يتهم بإتخاذ قراراته نتيجة "الفزع" فهم
المؤيدون للمعاهدة، أما معارضوها فقد قدموا أسباباً
عديدة ومنطقية لرفضهم لها وعدم الثقة بالشريك
المقابل، وقد كشف ما تسرب الى الصحف الغربية أمورا
لا تستدعي الرفض فقط، بل ان مجرد إثارتها كمطالب،
يثير التقزز أيضاً من هذا "الصديق" ذي التأريخ
الأسود والحاضر الأرعن. جاء هذا يفرض علينا صداقته
بعد أن رفضتها معظم شعوب الأرض واعتبرته خطراً
يتهدد وجودها واستقلالها، حتى شمل الخوف من
تهديدها أقرب أصدقائها طراً، حيث لايعلو على خوف
البريطانيين من بوش إلا خوفهم من بن لادن و (2)
وتقابل كل اتفاقية معه مع حكومة أية دولة بمعارضة
شعبية شديدة, و تقابل أية زيارة لرئيس دولته
بتظاهرات غضب واحتجاج لاتحدث مثلها مع أي زعيم
دولة أخرى .
من الناحية الأخرى لا يقدم الموافقون على المعاهدة
أية ردود على هذه الإعتراضات بل يلجأون مباشرة إلى
استنتاجات عجيبة بأن الإحتلال الأمريكي يوصل الدول
التي يحتلها في النهاية الى مستوى المانيا
واليابان!! وأن من يرفض المعاهدة مجنون أوعميل
مهمته أن يحرم العراق فرصته لكي يصل الى مصاف
الدول العظمى!
يكرر شاكر النابلسي أسطوانة مروجي المعاهدة من أن
"ألعراق ليس وحده" حين يعقد إتفاقيات عسكرية مع
أميركا ويأتي بمثال "قطر" التي أقامت "أكبر قاعدة
عسكرية أمريكية خارج أميركا". ولو كانت "ليس وحده"
محاججة مناسبة لأمكن أن تقوم أية حكومة بأي عمل أو
قرار لأنها ستجد بالتأكيد من فعل ذلك "قبلها" مهما
كان القرار سيئاً وحتى إجرامياً. والغريب أن رافعي
شعار "ليس وحده" لايرون أنه يصلح للجانب المقابل
أيضاً، فالعراق لن يكون أيضاً "وحده" في رفض
معاهدة ما، دع عنك معاهدة تحوم حولها كل تلك
الشبهات.
إنه لن يكون "وحده" مهما كان قراره وعليه أن يقرر
أين يفضل أن يكون، ولا أظن أن النابلسي يجرؤ على
القول أن بإمكان قطر اليوم أن تطلب من أميركا
أخلاء قواعدها في بلادها إن ارادت ذلك. فها هي
كوبا تصرخ منذ نصف قرن دون جدوى، ومن الجلي أن
الشعب العراقي قد قرر الإحتفاظ بسيادته!
يستشهد النابلسي ببعض الأمثلة (3) حين يقول:
" ووقع العراق اتفاقية استراتيجية بينه وبين
الاتحاد السوفيتي عام 1972 لمدة 15 عاماً بعد
تأميمه للنفط العراقي.... وهناك عدة اتفاقيات تمَّ
توقيعها بين مصر والاتحاد السوفيتي السابق وبين
سوريا والجزائر والاتحاد السوفيتي، فلم يعترض
عليها أحد، ولم تُقدح الحناجر لمهاجمتها."
والفارق بين هذه الأمثلة وما يخطط للعراق هو أن
قوات الإتحاد السوفيتي لم تضع قواعد لها في تلك
البلدان كشرط للمعاهدات ولم ير أحد قواتها تسير في
شوارع المدن تطلق النار على الناس للتسلية ولم
تطالب باحتكار سماء البلدان التي عقدت معها
الإتفاقيات أو الإشراف على وزارات الداخلية
والدفاع فيها، ولو أن هذا حدث "لقدحت الحناجر"
والرشاشات أيضاً بلا شك.
ويجد النابلسي فيمن يعارض الإتفاقية بأنه من "
الموالين للحلف الرباعي (سوريا- إيران- حزب الله –
حماس)" لأنه من "غير المعقول" على ما يبدو أن
يعارضها انسان انطلاقاً من رأيه الخاص وانطلاقاً
من خوفه على السيادة وإحساسه بالكرامة، فهي أحاسيس
غريبة كما يبدو بالنسبة إلى شاكر النابلسي وبقية
مروجي شعار "عمالة المعارضين". لذلك لا غرابة أن
يتساءل النابلسي: "فهل لو كان العراق ينوي عقد مثل
الاتفاقية بالبنود نفسها مع إيران أو مع سوريا، هل
كانت الدنيا تقوم ولا تقعد، كما هي الآن؟" وأقول
له: "بدون أدنى شك، حتى لو لبند واحد منها"!
يتصور النابلسي وصحبه بأن العراقيين مقسمون بين
عملاء لأميركا وآخرين لسوريا وإيران، لذلك، فكما
لايعترض النصف الأول على إتفاقية مهينة مع أميركا،
فلن يعترض النصف الثاني على مثلها مع سوريا وإيران.
ليس في العراق حسب تصورات النابلسي، من يهتم
بالعراق وكرامة العراق وكرامته الشخصية، وإنما فقط
بما تريده هذه الدولة أو تلك، لذا فإنه تحصيل حاصل
أن من عارض معهاهدة أميركا، سيرحب بقواعد عسكرية
إيرانية (وسورية!) وسيدافع عن حق دورياتها في قتل
العراقيين بلا حساب، فالخلاف بين العراقيين من
وجهة نظر النابلسي يتلخص بـ : من الذي يجب أن
نعطيه حق السلطة علينا وحق إهانتنا وقتلنا دون
حساب، وليس الرفض المبدئي لكل تلك السلطة والإهانة
وذلك القتل، وكل يقيس الأمور من منطلقاته الشخصية.
ويرى النابلسي أيضاً "إن الأمر لا يحتاج إلى ذكاء
شديد، عندما نرى أن كل الذين وقفوا في وجه حرية
وديمقراطية العراق وعهده الجديد، وأيدوا ودعموا
العمليات الإرهابية على مدار السنوات الخمس
الماضية، هم الذين يقفون اليوم ضد الاتفاقية
القادمة بين العراق وأمريكا. وهم بهذا لا يريدون
للعراق استقراراً، ولا للحرية مرتكزاً، ولا
للديمقراطية مكاناً في العراق."
النابلسي لم يقدم طبعاً قائمتين بمن دعموا الإرهاب
ومن عارضوا المعاهدة لكني أعتقد أن الأمر فعلاً
بحاجة إلى "ذكاء شديد" فعلاً للتمكن من خداع النفس
والآخرين وتجاهل الرفض الشعبي الهائل من كل
الإطياف لتلك المعاهدة، ونسبه إلى "من لايريدون
للعراق استقراراً"، دع عنك الحاجة إلى "النفاق
الشديد" لربط كلمات مثل "الحرية" و"الديمقراطية"
بالموافقة على معاهدة أتفق حتى مؤسسوها على أذاها
للسيادة العراقية حين وعدوا بإزالة البنود التي
تتنتقص السيادة منها بعد أن هبت معارضتها بوجههم
بدرجة فاقت تقديراتهم.
أما جوزيف شلال فيتساءل :"هل وجود جنود وقواعد في
اغلب دول العالم مثل المانيا واليابان وحتى قطر
والكويت ودول اخرى حليفة في حلف الاطلسي كتركيا
الاسلامية مع انضمام دول كانت اكثر من مائة عام
شيوعية واشتراكية الى الناتو وامثلة اخرى بالعشرات
لا نريد ان نتطرق اليها للاختصار , يعني هذا ان
سيادة هذه الدول قد انتقصت وغير كاملة عندما تصل
الحالة فقط الى العراق?" (4).
وأقول: "نعم انتقصت" في أغلب الأحيان إن لم يكن
كلها. ولو أنك كلفت نفسك قراءة تأريخ توقيع تلك
المعاهدات لعرفت أن أميركا فرضت إرادتها أما
عسكريا على دول إنهزمت امامها مثل المانيا
واليابان، أو بالإبتزاز الإقتصادي بعد الحرب
العالمية الثانية حيث كانت تلك الدول ليس فقط تحت
تهديد الفقر، بل الجوع أيضاً.
لقد بلغت الرغبة الأمريكية في اليابان في فرض
سلطتها على أية سيادة يابانية بعد الحرب، إلى رفض
توسلات اليابان وتوسطها لدى روسيا لكي تستسلم
لأميركا مقابل أن تتعهد أميركا بسلامة الإمبراطور
ونظامه، لكن أميركا أصرت على استسلام غير مشروط
وفضلت على التعهد أن تحرق مدينتين بالقنابل
النووية (ثم تركت الإمبراطور يحكم!!). وفي المانيا
استخدموا النازيين إضافة إلى كل وسائل الضغط
ليضمنوا عدم السماح للشيوعيين وحتى اليساريين
بالمشاركة في انتخابات نزيهة، في كل أوروبا
الغربية. ربما تكون معارضاً للشيوعية ولا ترى
خسارة في ذلك، لكن هذا لايمحو صفة "التدخل"
وانتقاص السيادة لإرادة الشعب في بلاده وحرية
خياراته السياسية. لقد تم نشر القواعد العسكرية
حينها في اوروبا وغيرها بنفس الطريقة التي يتم بها
اليوم نشر "الدرع الصاروخية": أتفاقات مع الحكومات
بالضغط والرشاوى، ومعارضة شعبية كبيرة الأغلبية،
لا ترى في تلك المعاهدات خيراً لها.
ويلجأ شلال إلى الحق الشرعي الديمقراطي للحكومة
العراقية المنتخبة كمبرر لعقد الإتفاقية فيقول: "ردي
هو ; من لديه الشرعية والصلاحية والقوة هو فقط
المخول والقادر لعقد اتفاقية او معاهدة ! بما ان
الحكومة العراقية ديمقراطية ومنتخبة من قبل
العراقيين وهي الدولة والنظام الوحيد في المنطقة
شرعيا , على كل عراقي ان يرفض تلك المزايدات من
شمال افريقيا الى النظام الارهابي الايراني شرقا
!! "
مثل غيره لايرى جوزيف شلال احتمالاً أن العراقي قد
يرفض الإتفاقية من نفسه، بل لأنه مسير كالخروف من
قبل "دول أخرى". أما بالنسبة لشرعية الحكومة
المنتخبة فأنا من الناس الذين يعترفون بتلك
الشرعية إلى درجة ما (مع إغماض عيننا عن كل
التجاوزات في الإنتخابات وحقيقة أن المالكي جاء
بضغط أمريكي مباشر كبديل للجعفري، وامور اخرى
كثيرة)، لكن هذا النظام الديمقراطي الذي منح
الحكومة شرعيتها يفقدها إياها عندما تتخلى بنفسها
عن قواعد تلك الديمقراطية وتتخذ القرارات
المتتالية خلافاً للدستور وتوقع اتفاقيات مع دول
أجنبية بلا مشاورة البرلمان، فمن الذي يقف مع
الديمقراطية والشرعية ويمارس حقه الدستوري في
المعارضه، ومن الذي يعتبر الدستور والبرلمان عقبة
يجب تجاوزها بالحيل اللفظية وتغيير التسميات
والعمل السري بعيداً عن الشعب الذي منحه شرعيته؟
في مقالة أخرى يتبين أن السيد شلال يعيش في كوكب
اخر، أنقل لكم منه هاتين العبارتين واترك لكم
الحكم:
"انا ارى ان هناك اتفاق سياسي من جميع الاطراف
العراقية لهذه المعاهدة بما فيها المرجعيات
الدينية المساندة للحكومة في مساعيها , وما يفرح
قلوب العراقيين ان جميع القوى الحزبية والسياسية
في الحكومة متحمسين ومتحدين لتوقيع الاتفاقية
والمعاهدة الاستراتيجية مع اميركا صديقة العراق
الاولى"
ويقول: "البعض يقول ان هناك تعتيم وتستر على ما
يجري بين المفاوض العراقي والامريكي ! ونقول هذا
غير دقيق وصحيح لان النصوص والفقرات نشرت منذ
البداية وتناقلتها وسائل الاعلام المختلفة !"
هوامش:
(1) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=121851
(2) البريطانيون يرون بوش اكثر خطراً من كيم يونغ
أيل (2007)
http://www.guardian.co.uk/uk/2006/nov/03/terrorism.northkorea
استطلاع عالمي: أمريكا أكبر خطر يهدد السلام!
(2006)
http://nessai.groub.com/modules/news/article.php?storyid=472
(3) شاكر النابلسي: " لماذا كل هذا الفزع من
الاتفاقية الأمريكية - العراقية؟"
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&userID=171&aid=138582
(4) جوزيف شلال: "لماذا من يرفض الاتفاقية يتهم
الاخر بالعمالة والخيانة ?!"
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&userID=1859&aid=138548
(5) جوزيف شلال:"المعاهدة العراقية - الامريكية
الاستراتيجية وتدخلات اقليمية وعربية واعلامية
سافرة في الشان العراقي"
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=136713
_____________________________________
لم الفزع من رفض المعاهدة؟2-3 مناقشة موقف د. كاظم
حبيب
صائب خليل
25 حزيران
2008
ناقشت في الجزء الأول من هذه المقالة موقف شاكر
النابلسي وجوزيف شلال من المعاهدة الأمريكية،
وانتقل هنا في جزئها الثاني إلى السيد كاظم حبيب،
وهو حسب قراءتي لمقالاته معارض للمعاهدة "وإن لم
ينتم" حيث طرح وجهات نظره فيها عبر سلسلة من
المقالات وبين رأيه في محاسنها وسلبياتها تاركاً
موقفه معلقاً على ما ستتمخض عنه المفاوضات، التي
يبدو أنه يثق بأطرافها بدرجة كافية لتبقي الأمل
لديه بصياغة "معاهدة جيدة". في الجزء الثالث –
الأخير سأركز على طروحات الدكتور عبد الخالق حسين
في نفس الموضوع.
يكتب الدكتور كاظم حبيب "إن إعلان المبادئ السابق
بين الإدارة الأمريكية والحكومة العراقية من جهة ،
وما تسرب من شروط ، يشاع أن الطرف الأمريكي قد
طرحها على الطرف العراقي المفاوض ، من جهة أخرى،
لا تستند إلى تلك الأسس التي يفترض أن تلتقي عندها
الاتفاقية , بل فيها مس مباشر بالاستقلال والسيادة
العراقية. وأتمنى أن لا تكون صحيحة لأنها ليست
قاسية فحسب , بل وسيئة أيضاً , مثل الإشراف على
وزارتي الدفاع والداخلية لعشر سنوات من جانب
الولايات المتحدة قابلة للتمديد , وحق القوات
الأمريكية باعتقال أي شخص عراقي دون العودة إلى
الحكومة أو القضاء العراقي , وخضوع القوات
الأمريكية لدستور وقوانين الولايات المتحدة وليس
القضاء العراقي , وطلب 15 مليار دولارا أمريكيا
سنوياً من الحكومة العراقية باعتبارها نفقات سنوية
تصرف على القوات الأمريكية التي يراد لها أن تحمي
العراق." (1)
ورغم ذلك يستنتج الدكتور حبيب أنه " ليس ضيراً أن
يعقد العراق اتفاقية متوسطة المدى أو حتى طويلة
الأمد مع الولايات المتحدة أو مع غيرها من الدول
الكبرى , بل يمكن أن نشير إلى ضرورة عقدها
وأهميتها للعراق في المرحلة الراهنة وفي المستقبل
, ولكن المسألة لا تكمن هنا , رغم وجود من يرفضها
أصلاً , بل تكمن أساساً في مضامين هذه الاتفاقية "
(1)
رغم مضامينها السيئة جداً، لكني اختلف مع الدكتور
حبيب في أن مشكلة الإتفاقية الأساسية تكمن في تلك
المضامين، بل في منطلقات وطموحات وطبيعة الجهة
المقابلة وارتباطاتها التي لن تغيرها من أجل علاقة
يرضى العراق عنها، ولن تتمكن أية نصوص في الإتفاق
أن تحيدها عنها.
لمحاججة الشرط الأمريكي القاضي أن يدفع العراق ثمن
القواعد العسكرية الأمريكية، يقول د. كاظم حبيب أن
"وجود هذه القوات في العراق ليس فقط لحماية العراق
من القوى الإرهابية أو ضد تدخل الدول المجاورة ,
بل وكذلك لتنفيذ جزء من الاستراتيجية الأمريكية في
المنطقة , وخاصة الرقابة على تحركات القوات
الإيرانية أو النشاط المعادي لإسرائيل في المنطقة
, إضافة إلى كونها تشكل جزءاً من حزام عسكري حول
روسيا الاتحادية يستكمل في افغانستان وبعض
جمهوريات آسيا الوسطى التي عقدت اتفاقيات عسكرية
مع الولايات المتحدة الأمريكية. كما لا بد من
الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد
من وجودها في العراق منع المنافسين الآخرين من
ولوج العراق والمنطقة عموماً , وخاصة دول الاتحاد
الأوروبي واليابان والصين وروسيا , وكذلك
الاستفادة من وجودها ومن الاتفاقية هي الرقابة على
اقتصاد النفط الخام وإبقائه تحت الإشراف المباشر
أو غير المباشر للإدارة الأمريكية ولشركاتها
العملاقة , وكذلك التأثير على وجهة التطور
الاقتصادي في العراق." (2)
المثير للإستغراب أن السيد حبيب لايستنتج من كل
هذا الذي يقوله بنفسه، أنه يتوجب إذن رفض المعاهدة
بلا تردد, وإنما يكتفي باستنتاج جانبي بسيط هو أن
ذلك يعني فقط أنه " ليس من واجب الحكومة العراقية
دفع نفقات القوات الأمريكية في العراق"! أي، إذا
أعفانا الأمريكيون من دفع كلفة قواعدهم فلا مشكلة
لدى د. كاظم حبيب في تقبل النتائج التي ذكرها
أعلاه!
هل نريد أن نجعل من العراق قاعدة لـ " الرقابة على
تحركات القوات الإيرانية أو النشاط المعادي
لإسرائيل في المنطقة"؟ هل نقبل للعراق أن يكون "
جزءاً من حزام عسكري حول روسيا الاتحادية يستكمل
في افغانستان وبعض جمهوريات آسيا الوسطى"؟ ما لنا
نحن وهذه الأدوار المشبوهة والمخجلة والخطرة؟
وهل يعني "منع المنافسين الآخرين من ولوج العراق"
سوى " تقييد حرية العراق في إقامة علاقات دولية مع
دول أخرى؟ وليس الأمر حول دول إعتيادية بل دول
تزيد أهميتها حتى على اهمية أميركا نفسها!.... دول
الاتحاد الأوروبي واليابان والصين وروسيا"؟ وكيف
لايجد الدكتور كاظم حبيب ضيراً في أن يعطي دولة
أجنبية "الرقابة على اقتصاد النفط الخام وإبقائه
تحت الإشراف المباشر أو غير المباشر للإدارة
الأمريكية ولشركاتها العملاقة"؟ وكيف يرى مقبولاً
،وهو الإقتصادي المتخصص أن لا مشكلة في "التأثير
على وجهة التطور الاقتصادي في العراق." من قبل
أميركا بفضل المعاهدة؟
بل أكثر من ذلك فإن الدكتور حبيب يحلل وفي نفس
المقال، ذلك "التأثير" ويقول إنه يعني "التخلي عن
دور الدولة الكامل في النشاط الاقتصادي العراقي
وترك المجال كاملاً للقطاع الخاص المحلي والأجنبي"
ليستنتج أنه " وبسبب ضعف القطاع الخاص المحلي
سيكون الباب مفتوحاً أمام القطاع الخاص الأجنبي
بعد أن تهدأ الحالة الأمنية." وكذلك "التخلي
الفعلي عن عملية التصنيع التحويلي والتحديث
الضروري للزراعة العراقية, وبالتالي الاعتماد على
إيرادات النفط الخام في الحصول على الموارد
المالية وإنفاقها في السوق الرأسمالي العالمي من
خلال الاتجاه الثالث.....الاعتماد الكامل على
الاستيراد وممارسة سياسة الباب المفتوح أمام
الشركات التجارية الأجنبية."
وسوف يتسبب كل هذا حسب د. كاظم حبيب في:"اختلال
شديد في العملية الاقتصادية العراقية , إذ أن
عملية إعادة الإنتاج لا تحصل في الاقتصاد العراقي
, أي في الداخل , بل تتكامل مع الاقتصاد الأجنبي ,
وبالتالي تمنع عن العراق جملة من الضرورات
الاقتصادية التي تستوجبها عملية التنمية وبناء
اقتصاد عراقي مترابط عضوياًُ ومستقل نسبياً وقادر
على مواجهة الأزمات المحتملة كتلك التي واجهها عبر
السنوات الماضية."
هذا التوجه الأمريكي سيعني بالنسبة إلى النفط
العراقي كما يرى حبيب: "بقاء الاقتصاد العراقي
اقتصاداً ريعياً واستهلاكياً لا غير , وهي لعمري
أسوأ ما يمكن أن يحصل لأي اقتصاد في العالم."!
لا أفهم كيف يبقى د. كاظم حبيب متردداً أمام
إتفاقية تهدد إقتصاد بلاده بـ "أسوأ ما يمكن أن
يحصل لأي اقتصاد في العالم." ، وهو الخبير
الإقتصادي؟؟ إنه "لعمري أنا" أغرب استنتاج لتحليل
قرأته!
لكني أتفق مع د. حبيب تماماً عندما يقول: "ولكن لا
بد لنا أن نؤكد بأنه ليس من مصلحة العراق أن نمنح
الدول المجاورة مشاريع اقتصادية خدمية كبيرة بأمل
سكوتها عن مشاريعنا السياسية والأمنية , ومنها
الاتفاقية العراقية - الأمريكية , وهو ما يحصل مع
كل من تركيا وإيران".
أي أنه من المنتظر منا أن نوقع اتفاقيات خاسرة
إضافية مع الجوار فقط لإرضائهم لكي لايعرقلون
توقيعنا هذه الإتفاقية التي "تهدد الإقتصاد
العراقي بأسوأ ما يمكن أن يحصل لأي اقتصاد في
العالم!"
وبعيداً عن الإقتصاد يرى د. حبيب أنه "ليس من
السهل فرض القانون العراقي على وجود القوات
الأمريكية في العراق , إذ أن الولايات المتحدة
رفضت الدخول في المحكمة الجنائية الدولية لهذا
السبب"
لا أدري بعد هذا ما الذي ينتظره الدكتور حبيب من "محتوى"
الإتفاقية ليتغلب على المساوئ، بل الكوارث التي
شرحها لنا، وحتى لو توفر هذا "المحتوى" المعجزة
فما هو الضمان لتنفيذه بشكل مناسب إن كان يعترف
بصعوبة فرض القانون العراقي عليها، ولديها فيتو
يحميها من مجلس الأمن، وهي لا تعترف بالمحكمة
الدولية!
أتساءل: كم يحتاج الإنسان من المعلومات والتقديرات
ليحسم خياراً ما؟
في مقالته الأخيرة أمس يزيل د. كاظم حبيب بعض
حيرتنا من تناقض تحليله مع استنتاجاته، لكن ليس
قبل أن يضيف اليها المزيد من الغموض. ففي البداية
يكاد د. حبيب يجرم الولايات المتحدة، بل وحتى
المدافعين عن سياستها ضمناً حين يقول: "ولا يجوز
لنا أن نعتبر أن كل ما مارسته الولايات المتحدة في
العراق خلال الأعوام العشرين المنصرمة, وخاصة في
أعقاب سقوط النظام عبر الحرب الخارجية, لم يكن سوى
أخطاء سياسية فادحة, وليست نتيجة تفاعل بين
استراتيجية ذات أهداف محددة, وبين أهداف تكتيكية
كثيرة ومتشعبة ومتداخلة.......إذ أن الخلط بينهما
يظهرنا كأناس سذج وغير واعين وجهلة بالسياسة
والمصالح المتصارعة ولا يساعدنا على رسم سياساتنا
الواضحة والمستقلة في العراق والمنطقة ومع الدول
الأخرى, بما في ذلك الدول الكبرى أو الولايات
المتحدة. وهو ما يبدو على بعض السياسيين العراقيين
الذين أصبحوا عرّابين أوفياء للسياسة الأمريكية في
العراق وليسوا عرّابين للسياسة العراقية"
ليعود بعد ذلك فيدعو إلى التساهل في موضوع "الإستقلال
الناجز والتام" ويكمل بأنه "يرى بوضوح كبير" حاجة
العراق "إلى اتفاقية مع الولايات المتحدة
الأمريكية في المرحلة الراهنة ولسنوات خمس قادمة"!
ويشرح د. حبيب رؤيته تلك بنقاط اولها أنه "لا بد
للعراق أن يتحرر من الفصل السابع.....وهذا التحرر
من هذا الفصل يستوجب موافقة الولايات المتحدة في
مجلس الأمن الدولي" أي أن د. حبيب يعترف هنا بأن
السبب الأول في ضرورة توقيعنا الإتفاقية هو
ابتزازنا من قبل أميركا. وهنا تجدر الإشارة إلى أن
هذا يعني أن أميركا هي الوحيدة من بين جميع الدول
الدائمة العضوية التي يمكن أن تقدم على مثل هذا
الإبتزاز، وتشمل هذه الدول طبعاً " (بعض) دول
الإتحاد الأوربي والصين" التي لم يجد د. حبيب بأساً
من أن تحرمنا الإتفاقية حرية التعامل معها، وكذلك
روسيا، التي لم يجد مشكلة في جعل العراق جزءاً من
حلقة حصار أميركا عليها. طبيعي أنه لو كانت هذه
الدول تتصرف بنفس "الشلاتية" التي تتصرف بها
أميركا لاشترطت عدم توقيع الإتفاقية المؤذية لها
لكي توافق على خروجنا من الفصل السابع...لحسن الحظ
أنها لم تفعل ونعاقبها نحن على نقص "براغماتيتها"
بالوقوف ضدها.
ثم يأتي الكلام الذي يشرح الصراع المرير بين
تحليلات د. كاظم الأمينة وبين استنتاجاته المناقضة
لها، فيقول:
"كان العراق ولا يزال, بكل شفافية وصراحة, مُهدداً
من إيران بغزو سياسي واقتصادي وثقافي وديني وطائفي
مقيت واحتلال غير مباشر اشد مرارة من أي احتلال
آخر في العالم, فهو يجمع بين القومية الشوفينية
والطائفية المقيتة والرغبة الصارخة في الهيمنة
والاستغلال والانتقام والظلامية القاتلة.
كما أن العراق مُهدد من قوى بعثية وقومية شوفينية
من بقايا وأتباع النظام السابق التي لا تحمل في
رأسهاً فكراً قومياً شوفينياً وعنصرياً حسب, بل
وفكراً طائفياً مقيتاً لا يختلف عن فكر الطائفيين
السياسيين الشيعة وذهنية وممارسة استبداديتين
مماثلتين لاستبداد صدام حسين.
وأن العراق مُهدد من قوى إسلامية سياسية ظلامية
وتكفيرية, سواء أكانت من هوية وهابية أم إخوان
مسلمين أم من هوية بعض القوى الشيعية الظلامية
والإرهابية الذي لا يزال العراق يعاني منه ومن
سياساته....وعلينا أن ندرك تماماً بأن العراق,
وخاصة إقليم كُردستان, مُهدد أيضاً بالتدخل
المستمر من قبل الدولة التركية وحكومتها الإسلامية
السياسية التي ترى في الفيدرالية خطراً عليها....بسبب
نضال الشعب الكردي في كُردستان تركيا". (إنتهى
الإقتباس).
لكن يا دكتور كاظم، ألم يقف الأمريكان "مع" هذه
الدولة التركية التي تريدهم "لحمايتنا" منها؟ ألم
تكن تلك الدولة أكثر قسوة على الأكراد وعدوانية
على إقليم كردستان في زمن "حكومتها العلمانية"
منها في "حكومتها الإسلامية"؟ الم يكن للأمريكان
دور هام في مساعدة معظم الوحوش التي صعدت الى حكم
بلادها وأغرقتها بالدماء بإشراف الأمريكان انفسهم؟
من الذي جاء بالبعث إلى السلطة في العراق ومن الذي
أعادهم بمشاريع "المصالحة" وبالشكل الذي يقررونه
أنفسهم؟ ألم يتفرغ رجلهم المفضل علاوي الى الجهاد
من أجل عودة البعثيين إلى الأمن؟ ألم يستخدموا
النازية والفاشية لمطاردة الخيرين في كل بلد صار
تحت رحمتهم؟ ما الذي يجعلك تعتقد أنهم سيتحركون
بالشكل الذي يتسبب بطردهم من العراق بسرعة؟ ألم
يقل العديد من السياسيين أنهم يعرقلون حتى تسلح
الجيش العراقي؟
من الواضح أن د. كاظم حبيب ليس فقط خائف، بل مصاب
بالرعب من كل هذه الأخطار, وأنه لا يوافق على
النتائج الكارثية التي تتوقعها تحليلاته من
المعاهدة إلا لأنه يرى أن البديل لها هو يوم
القيامة الذي سيحل بالعراق إن هو رفض!
هل إيران فعلاً بكل هذا الشر؟ وإن كانت كذلك، فهل
نحن بكل هذا العجز؟ هل يحد البعثيون والقوميون
والشوفينيون والطائفيون والإسلاميون أسنانهم
بالفعل ليوم المذبحة الحاسمة؟ هل ستدخل تركيا في
اليوم التالي لخروج أميركا وتسحق الأكراد؟ أن من
يعتقد بكل هذا الهول ليس ملاماً في أن يقبل بأي
شيء!!
كل أمل العراق في أن يقي نفسه من أهوال المعاهدة
التي شرحها د. كاظم بنفسه، أن لا يكون الكثير من
أبنائه مصاباً بالرعب مثله، وأن يبقى قادراً على
قياس حجم الأخطار، ويتساءل عن دقة الصورة التي
اقتنع بها د. كاظم والتي حرصت أميركا على زرعها في
أذهان العراقيين، فمن وجدت هذه الصورة أرضاً خصبةً
في رأسه، فليس له إلا أن يقول "نعم" لاي شيء يخلصه
من هذا الرعب.
لا تأتي هذه الصورة المرعبة بشكل مباشر كما قدمها
د. كاظم بإخلاص لا أشك به، ولا تسمح تحليلاته
بالشك به، لما يعتقد وما يعاني، بل تأتي أيضاً في
دعايات القنوات الفضائية، مثل "الشرقية"، والتي
تغزو وعينا عدة مرات في كل ساعة عن الذئاتب التي
تترصدنا على الحدود. وهي تأتي أيضاً حتى بشكل "كوميدي"
لانعلم القصد منه كما نرى في مقالة البروفسور في
التحليل النفسي(!) الدكتور قاسم حسين صالح حيث
يكتب: "فلنفترض أن " اوباما " ( أبن أبيه الاسود
الذي يصف وجهه بالقير وأبن أمه الشقراء التي يصف
وجهها بالقيمر ) فاز بالرئاسة وأمر جنوده في
العراق بشدّ الرحال الى أمريكا ، فان ايران ستحتل
وسط وجنوب العراق ، وستدخل تركيا الى كركوك لحماية
أهلها ( وربما ولاية الموصل ايضا!) وستدخل
السعودية الى الانبار لحماية أهلها .. وستكون
الدماء "الى الرجّاب " وسيقولون بعدها : كان هناك
عراق!"(3).
إن فيروس الخوف شديد العدوى، فمن يصاب به، يقوم
بنشره بوعي أو بغير وعي، ولا أمل لشعب يرتجف خوفاً
من الوقوف بوجه ما يراد له. الذئب يعرف هذا جيداً
ويعلم أن الخروف "المسبوع" سيسير طائعاً خلفه الى
كهفه ليلقى مصيره. .لنقفل قناة الشرقية، ولنجلس
بهدوء ونزن الأخطار بميزان يعتمد الحقائق بحجمها
وليس كما ينفخها الإعلام... لنوجه أنفنا قصداً،
ولو لحين، إلى حيث الهواء النقي حيث فيروس الشجاعة،
فهو الآخر شديد العدوى لحسن الحظ،... فالرعب أسوأ
رفيق عند المنعطفات الحاسمة!
الهوامش:
(1) كاظم حبيب: "هل تستجيب بنود الاتفاقية
المقترحة مع الولايات المتحدة الأمريكية لمبدأ
الحصول على الاستقلال والسيادة الوطنية"
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=137634
(2) د. كاظم حبيب "حول الاتفاقية العراقية -
الأمر&