( بحث مقدم
الى المؤتمر الدولي حول سياسات النفط والغاز؛
نظمه المعهد الفرنسي للبحوث، بالتعاون مع مركز البحوث العراقي )

إعداد: الدكتور كامل كاظم العضاض
مستشار إقتصادي،منظمة الخليج للإستشارات الصناعية
الدوحة/ قطر.
باريس- فرنسا
25-28 شباط 2008
المحتويــــــــــات
1. مقدمـــــة:
2. خصوصيات إقتصاد النفط الخام في العراق.
3. ماهي حكمة التحوّل عن " الإقتصاد الريعي "؟
4. ماهي السياسات الصائبة التي تقتضيها إستراتيجية
التنمية الوطنية؟
5. ماهي الترتيبات المؤسسية والقانونية الملائمة
لتلك السياسات؟
6. لماذا تعتبر مسودة قانون النفط والغاز الحالية
فاشلة في تحقيق أي هدف من أهداف تعظيم التنمية
الوطنية العادلة؟
الخلفية:
6,1- تناقض وغموض بعض المواد في كل من الدستور
ومسودة قانون النفط والغاز.
6,2- مواد في مسودة قانون النفط والغاز تمنح
إمتيازات للمستثمرين الأجانب، بما يضعف ويستبعد
السيادة الوطنية في رسم سياسات إنتاج النفط الخام
والتصرف به.
6,3- غياب مواد في مسودة القانون لتأمين وضمان
تطبيق مبادئ دراسات الجدوى الإقتصادية والمالية
عند منح عقود الإستثمار للمتعاقدين.
7. هل إن إتفاقيات المشاركة في الإنتاج، (PSAs)،
هي أفضل الطرائق للإستثمار في صناعة إستخراج النفط
ولإنعاشها؟
8. ماهي الطرائق الممكنة المتاحة للخروج من مأزق
إنسداد الأفق لتنمية صناعة إستخراج النفط الخام؟
9. الخلاصـــــة والتوصيـــــات.
10. الهوامش.
11. بعض المراجع.
1. مقدمـــــة:
تحاول هذه الورقة الإجابة على بعض الأسئلة
الجوهرية التي تتعلّق بقضية أفضل الطرائق لإدارة
أو خلق الشروط الملائمة لإرساء سياسات تقود الى
إدارة " مثلى " لصناعة إستخراج النفط الخام في
العراق، آخذين بالإعتبار الحالة الراهنة للإقتصاد
والمجتمع العراقيين. ويقصد هنا بمفهوم الإدارة "
المثلى " أو سياسة إستثمال الإنتاج من الحقول
النفطية والتصرف به، هو أن تحقيق أقصى الفوائد أو
العوائد يجب أن يعّم جميع الأطراف المعنية بهذه
الصناعة؛ أي الشعب العراقي بكامله، وليس لأي جزء
منه، بإعتباره المالك الشرعي لكل الثروة النفطية،
والمستثمرين والعاملين في الصناعة النفطية. كما لا
يقصد بأقصى العوائد مجرد تعظيم الإيرادات أو
المدخولات المالية من تصدير النفط الخام، إنما،
أيضا، تحقيق أفصى تنمية مستدامة من خلال توظيف
العوائد من صادرات النفط الخام لتطوير وإنماء
الأنشطة الإنتاجية المرتبطة وغير المرتبطة مباشرة
بصناعة إستخراج النفط الخام، كالصناعات التحويلية
وغيرها، بما يضمن توفير فرص عمل للأجيال القادمة
وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الإعتماد على مجرد
تصدير النفط الخام. وسيتضح الفرق بين هذين
المفهومين من سياق البحث، بعد التعريف بملامح
مايسمى بالإقتصاد الريعي.
وعلى ذلك، فإنه بعد إستعراض الخصوصيات العامة
لصناعة إستخراج النفط الخام في العراق في الفسم
الثاني أدناه، سنبحث في بقية الأقسام؛ حكمة أو
عقلانية إدارة الصناعة الإستخراجية الآيلة الى
النضوب، أي ذات الطبيعة غير المستدامة، بما يفضي
الى التحوّل عن الإقتصاد الريعي، والحاجة الى تبني
إستراتيجية وطنية عليا لأغراض التنمية المستدامة،
ووضع الترتيبات المؤسسية والقانونية اللازمة
لإدارة الصناعة النفطية الإستخراجية، ومثالب مسودة
قانون النفط والغاز المطروحة، حاليا، لمصادقة مجلس
النواب، وتقويم الطرائق والنماذج المطروحة لجلب
الإستثمارات الرأسمالية، وما تنطوي عليه من آثار
في توزيع العوائد الإنمائية على الشعب العراقي
بكامله، وبكل أطيافه ومناطقه، دونما تمييز أو
إحتكار.
2. خصوصيات إقتصاد النفط الخام في العراق:
على الرغم من إن النفط كان مادة معروفة، بل
وأستخدم كأحد مواد البناء في بلاد الرافدين، منذ
آلاف السنين، لكنه قد أكتشف بكميات تجارية في عام
1886 في العراق.
لقد تمكنت شركة البترول البريطانية، ( BP ) بعد
صراع مع السلطة العثمانية التي كانت تحكم العراق
لغاية قبيل إنتهاء الحرب العالمية الأولى، تمكنت،
بمشاركة شركاء أقل وزنا، من إقامة شركة النفط
العراقية ( IPC ) على أنقاض شركة النفط التركية
السابقة؛ وذلك بعد أن خضع العراق للهيمنة
البريطانية، بعد إنتصار الحلفاء في نهاية تلك
الحرب. (1)
لقد بدأ تدفق النفط الخام من الحقول العراقية منذ
عام 1927، وتولت شركة الآي بي سي، ( IPC ) تصديره،
وخصوصا بعد إكتمال بناء خط أنابيب النفط، مابين
كركوك وطرابلس في عام 1936. لقد تم إكتشاف
إحتياطيات نفطية هائلة، وحصلت الآي بي سي على
إمتيازات لإستكشاف وإنتاج النفط الخام في كامل
مساحة العراق، التي تزيد على (420) ألف كيلومتر
مربع، تقريبا، ولمدة (75) عاما. ومنذ ذلك الوقت
المبكر ولغاية حزيران من 1972، حين جرى تأميم هذه
الشركة، أي خلال مدة نصف قرن، لم تستغل الطاقات
الإنتاجية، ولم ترتفع كميات الإنتاج الى مستو
متناسب مع حجم الإحتياطيات النفطية. وكانت شركة
الآي بي سي، ( IPC )، تدفع للحكومة العراقية، حتى
مطلع الخمسينات من القرن الماضي، مبالغ متواضعة
كريع أو رويالتي، مع كميات عينية صغيرة من النفط
الخام لأغراض الإستهلاك المحلي. كما فشلت شركة
الآي بي سي، أيضا، في تنفيذ إستكشاف ( %95 ) من
مجموع مساحة الإمتياز الممنوحة لها مجانا تقريبا.
ولكن بحلول عام 1954، بعد فشل محاولة مصدق لتأميم
شركة النفط في إيران، تم توقيع إتفاقية مشاركة في
الأرباح ما بين الحكومة العراقية وشركة الأي بي سي،
مما أدى الى زيادة العائدات المالية للحكومة
الوطنية، والتي إستطاعت توجيهها لتدشين حملة
إنمائية كبيرة في سائر أرجاء البلاد، وخصوصا في
مجال السدود والبنى الإرتكازية، كالطرق، وتوسيع
وتحسين سكك الحديد وتنظيم الري، وغير ذلك.
ومع ذلك، لم تكن العوائد المالية من حصة الحكومة
في أرباح شركة الآي بي سي، تكفي لتحقيق إستثمارات
تنموية واسعة في الأنشطة غير النفطية، أي في
الصناعة والزراعة والخدمات، ولا حتى في مجال
الصناعات المرتبطة بالبترول، كالمصافي
والكيمياويات. وعلى ذلك، وعلى مدى نصف قرن، بقي
قطاع إستخراج النفط الخام، قطاعا خارجيا أو أجنبيا،
أي ضعيف الصلة بالهيكل الإنتاجي المحلي في
الإقتصاد العراقي.
وحقيقة الأمر هي أنه وعلى مدى نصف قرن لم تستكشف
هذه الشركة أكثر من (36) مليار برميل من إحتياطيات
النفط، بالمقارنة مع ما إستكشفته شركة النفط
العراقية الوطنية وهي حديثة التكوين، ( INOC )،
خلال أقل من عقدين من الزمن ( في السبعينات
والثمانينات من القرن الماضي )، من إحتياطيات بلغت
(75) مليار برميل، أي منذ تأميم شركة الآي بي سي
في عام 1972. وتحققت بذلك فوائض مالية ضخمة
للحكومة العراقية, وخصوصا خلال عقد السبعينات،
ولاسيما بعد إرتفاع أسعار النفط الخام بشكل حاد في
منتصف عقد السبعينات من القرن الماضي. إن تلكؤ
شركة الآي بي سي في توسيع الإستكشاف وفي عدم رفع
سقف الإنتاج كان دائما محل توتر بينها وبين
الحكومات العراقية المتعاقبة، وخصوصا بعد زوال
العهد الملكي في عام 1958؛ مما حدا برئيس الوزراء
العراقي، الزعيم عبد الكريم قاسم، آنذاك، الى
إصدار قانون رقم (80) الذي تقرر بموجبه إنتزاع
أكثر من (%95) من الأراضي الممنوحة كإمتيازات
لشركة الآي بي سي، في عام 1961. وبعد رحيل قاسم
ومجيء نظام الأخوين العارفين ولغاية عام 1968، جرت
محاولات لتأسيس شركة إنتاج نفط وطنية لإستغلال
المساحات الشاسعة التي لم تستكشفها شركة الآي بي
سي. ولكن، بعد عودة حزب البعث، بإنقلاب عسكري
بقيادة أحمد حسن البكر في عام 1968، تم تأميم هذه
الشركة، كما أشرنا، في عام 1972، فساد شعور عام
بأن مرحلة جديدة قد حلّت، وإن آفاق التنمية قد
إنفتحت أبوابها واسعة جدا، لتحقيق نهوض إقتصادي
وصناعي وزراعي كبير، طالما إن موارد مالية هائلة
بدأت تتوفر للحكومة العراقية؛ وكان قد بدأ بالفعل
الشروع بما سميّ، وقتها، بالتنمية الإنفجارية.
وعلى الرغم من قيام نظام شمولي فإن بعض الأسس
الإرتكازية لهيكل صناعي كبير كان متوقعا، إلا إنه
بعد صعود صدام الى موقع الحاكم المطلق الأوحد، أي
بعد إزالة البكر، تم الإستحواذ على كل موارد
العراق وعسكرة الشعب، وزجّه في حروب طاحنة مع
إيران، و من ثم غزو الكويت؛ وما تلى ذلك من هزائم
أم المعارك، والحصار الكامل المفروض على الإقتصاد
والشعب العراقي؛ كل هذه العوامل أدت الى ضياع تلك
الفرص التنموية المتاحة، وهدرت موارد النفط
الهائلة، ودمرت الركائز التي مثلت جهود سبعين عاما
من التنمية؛ وهكذا ولغاية غزو العراق بقيادة
الولايات المتحدة، وإزالة صدام، ثم إعدامه. ومنذ
خمس سنوات والعراق تحت الإحتلال، يعاني من الدمار
والإرهاب والشلل في صناعته النفطية؛ بينما تتصاعد
صيحات بعض من جاؤا بقوة الإحتلال، وكأنها صدى
لرغبة المحتلين، لخصخصة صناعة إستخراج النفط،
ولإعداد مشروع قانون للنفط والغاز يقوم على مايسمى
بنظام المشاركات في الإنتاج، وبما يتيح للشركات
الأجنبية المتعاقدة نهب ثروة العراق النفطية
الوحيدة التي ينعقد عليها الأمل لإعادة إعمار
البلاد وإخراجها من قعر التخلف والضياع. (2)
3. ماهي حكمة التحّول عن " الإقتصاد الريعي"؟
تتناول النظرية الإقتصادية في الكثير من أدبيات
التنمية الإقتصادية مفهوم "الإقتصاد الريعي". وقد
نجد في بعض الدراسات بإن هذا المفهوم قد تم
التعبير عنه بمداخل ومصطلحات مختلفة، مثل،
الإقتصاد المزدوج، أو إقتصاد الإنتاج الأولي، أو
الإقتصاد غير المتوازن، وهكذا. ولكن، على وجه
العموم، إن ما يعنيه هذا المفهوم هو الحالة التي
يكون فيها إقتصاد ما يتمتع بإمتلاك مورد أولي كبير،
( كهبة طبيعية)، مثل توفر مواد خام من مصادر
طبيعية ومنجمية، و/ او مورد طبيعي نادر مثل النفط
الخام، كما هي الحالة هنا، مقابل تخلف ومحدودية في
إنتاجية الأنواع الأخرى من الأنشطة الإقتصادية،
مثل الزراعة والخدمات، نظرا لشحة الإستثمار فيها،
أو لصعوبات في إستغلالها.
بما إن هناك طلب إقتصادي فعّال على منتوجك الأولي،
( النفط في هذه الحالة )، فإن بيع أو تصدير هذا
المنتوج سيوفر عوائد مالية، ( لكونك المالك
للأراضي التي تحتوي على الحقول النفطية). وأمامك
كمنتج خيارات للتصرّف بهذه العوائد، فأما أن
توجّهها بالكامل الى الإستهلاك المباشر، أو تدخرها،
كليا أو جزئيا، لغرض إستثمارها في النشاطات
الإنتاجية غير النفطية، كالزراعة والصناعة
والتشييد والبناء وغيرها. وقد تلجأ الى هذا الخيار
الأخير لأنك تعلم بأن الإحتياطيات النفطية سوف
تنضب، إن عاجلا أو آجلا، ولابد في هذه الحالة من
التفكير والعمل لإيجاد موارد دخل بديلة، أي لإيجاد
موارد بديلة، من خلال تطوير وتوسيع النشاطات
السلعية، لإنتاج بضائع وخدمات، في الصناعات
المرتبطة وغير المرتبطة بصناعة إستخراج النفط
الخام، أو في الزراعة أو الخدمات ( تجارة، نقل،
صيرفة )، الخ... وعلى ذلك، وفقا لهذه الإستراتيجية
الأخيرة، فإنك ستجد فرصة لتوظيف الفوائض المالية
التي توفرها الصادرات من النفط الخام، لإيجاد
مصادر دخل أكثر إستدامة، أي إنك ستسعى، عندئذٍ
لتحقيق تنمية مستدامة، تحفظ للأجيال القادمة حقها
في الموارد الحالية، لتضمن لها مستقبلها الإقتصادي.
و ربما إنطلاقا من هذه الرؤية التنموية الصائبة،
كانت قد تصرفت الحكومة العراقية، في منتصف
الخمسينات من القرن الماضي، بالعوائد المالية التي
إرتفعت وفقا لإتفاقية المشاركة بالأرباح مع شركة
الآي بي سي، فأنشأت مجلسا للأعمار، ( تحول الى
وزارة الإعمار لاحقا )، وخوّلته الصلاحيات الكافية
لتوجيه الفوائض المالية لتطوير أو ترقية النشاطات
غير النفطية، مثل إنشاء البنى الإرتكازية، و إقامة
بعض الصناعات المحلية، والخدمات الصحية والتعليمية،
وغيرها.
تأسيسا على ذلك يمكن النظر الى الإقتصاد الريعي من
خلال سيناريو الإزدواجية، (وهنا نركز على
الإزدواجية الإقتصادية الإنتاجية، وليس الإزدواجية
الإجتماعية أو السياسية ). فمن جهة، لديك مصدر أو
مورد طبيعي قابل للنضوب، ( النفط والغاز )، خلال
مدة زمنية تعتمد في طولها على حجم إحتياطاته
المتاحة، مقابل طلب فعّال وغير مرن ومتصاعد، على
الرغم من الأحاديث أو التجارب الجارية لإيجاد
مصادر طاقة بديلة عن النفط. ومن جهة أخرى، لديك
قطاعات غير نفطية، ( نشاطات، مثل الزراعة والصناعة
التحويلية والخدمات )، حيث يتركز الثقل الأكبر من
قوة العمل، وحيث تكون الإنتاجية منخفضة، وبالتالي
تكون دخول أغلبية العاملين من السكان متدنية؛
وعليه فإن الحكمة الإقتصادية والإنسانية توجب
التفكير والتخطيط بأفق إستراتيجي للتحول من حالة
الإقتصاد الريعي، والعمل على تقليل الإعتماد عليه،
كمصدر للدخل، من خلال توظيف فوائضة لإنعاش
النشاطات غير النفطية و/ أو الصناعة المرتبطة
بالنفط الخام، كتلك التي تنتج المشتقات النفطية،
كالديزل والبنزين، والصناعات البتروكيمياوية،
وغيرها من الصناعات التي تعتمد على النفط الخام
ومشتقاته، كمدخلات أو كمصدر للطاقة الإنتاجية.
ولكي تتمكن من تنفيذ مثل هذه الإستراتيجية، ينبغي
أن تتحكّم الدولة الموجّهة لإقتصاد البلد المعني
بقرارات الإنتاج والتصرف به، لغرضين، الأول تصديري،
والثاني لتصنيع النفط ودمجه في الصناعات والنشاطات
المحلية. ويأخذ الغرض الثاني أفضلية في السبق على
الغرض الأول، ذلك لأن الهدف الأساسي هو إدامة
التنمية، وليس إستهلاك الفوائض النفطية بدون إيجاد
صناعات بديلة لما بعد نفاذ إحتياطيات النفط الخام.
4. ماهي السياسات " الصائبة " التي تقتضيها
إستراتيجية التنمية الوطنية؟
تشكل العقلانية الإقتصادية، عادة، سبيلا للإهتداء
الرشيد الى مقدار الإستخدام أو الإنتفاع الكامل من
العائدات التي يمكن تحقيقها من تصدير النفط الخام،
بل وفي توظيف وإستخدام النفط الخام نفسه لإقامة
وتطوير الصناعات الأمامية المرتبطة بقطاع النفط
الخام، كصناعات تصفية النفط ومشتقاته والصناعات
البتروكيمياوية، وكذلك الصناعات غير النفطية، وغير
المرتبطة بالنفط الخام بصورة مباشرة. ولكي نعبّر
عن وجهة النظر هذه بمعايير إقتصادية، وليست كمية،
يمكن أن ندرج المباديء الأساسية الآتية، بصورة
مركّزة:
1. من أجل تحقيق أقصى نمو للإقتصاد الوطني ككل، (
بقطاعاته النفطية وغير النفطية )، ينبغي أن تتوفر
العوامل الكفيلة بتحقيق أقصى معدلات ممكنة للنمو
في النشاطات غير النفطية، اساسا، لأنها ذات طبيعة
مستدامة، وذلك، في الأقل، في مضمارين أساسيين،
تكوين رأسمال الثابت والإنتاجية. ومن هنا تأتي
أهمية الفوائض المتحققة من تصدير النفط الخام لهذا
الغرض.
2. من أجل تحقيق تنمية مستدامة، ينبغي أن يرتبط
معدل النمو الإقتصادي الكلي مع معدل النمو في
القطاع النفطي التصديري، بحيث كلما إرتفع هذا
المعدل الأخير يرتفع بنفس الوتيرة النمو الإقتصادي
الكلي للبلاد.
3. ومن أجل تحقيق أقصى تنمية ممكنة، قد تختار
إستراتيجية تقوم على تقليص تصدير النفط الخام
تدريجيا، بهدف تحويل كميات متزايدة منه للصناعات
الأمامية المرتبطة بمشتقات النفط الخام والصناعات
التي تعتمد النفط كوقود، و/ أو كمدخلات لمنتجات
كيمياوية؛ فضلا عن تحويل كميات أخرى لقطاع النقل
العام والخاص. ومن هنا يبدو جليا بأن قرارات
الإنتاج وسقفه والتصرف به ينبغي أن تبقى بيد
الدولة الوطنية بإعتبارها الموجّه والمنفّذ
للخيارات التنموية المستدامة.
4. ويترتب على هذه الخيارات الإستراتيجية، أيضا أن
لا تخضع الإستثمارات الجغرافية المطلوبة لتطوير
وإستكشاف الحقول النفطية لهيمنات إقليمية أو محلية،
سواء كانت دينية أو أثنية، بل يجب أن تستند الى
قرارات الحكومة المركزية الفدرالية، وذلك بهدف منع
شرذمة هذه الصناعة والحفاظ على تنافسيتها وكفاءتها
وإنسجامها مع الأهداف الإستراتيجية التي تعتبر
النفط الخام ثروة وطنية لكل العراقيين ولا تخص
جزءا محدد منهم.
وتحت هذه الشروط والإفتراضات اللازمة لإرساء
سياسات " مثلى " لإدارة صناعة إستخراج النفط الخام،
يمكن القيام بتقدير كمي للعلاقات آنفة الذكر،
بصورة موضوعية وقياسية، أي أكونومترية رياضية، ضمن
نماذج إقتصادية قياسية؛ وليس هنا المجال لهذا
المدخل القياسي، لأن البيانات والمؤشرات المطلوبة
غير متوفرة حاليا.
وبناءا على المناقشات أعلاه، يبدو جليا بأن مبادئ
العقلنة الإقتصادية لتوظيف مورد ناضب من أجل تنمية
مستدامة لصالح الأجيال القادمة توجب الإشتراطات
الآتية:
1. أن يكون الهدف الأســـاسي للتنمية المســـتدامة
هو بإتجاه تحقيق " أقصى تنمية " وليس " أقصى عائد
مالي " من تصدير النفط الخام.
2. ولتحقيق هذا الهدف الأساسي ينبغي أن تتوفر
إستراتيجية وطنية، مستندة الى رؤية واضحة لمتطلبات
التنمية المستدامة، إذ دون ذلك ستكون لديك سياسات
مجزأة لا يمكن أن ترقى الى حالة الإستمثال
المطلوبة لإدارة سياسات إنتاج النفط الخام الناضب
والتصرف به.
3. وعلى ذلك لابد أن تتوفر سيطرة وطنية كاملة على
قرارات إنتاج النفط الخام والتصرف به؛ وهذا يعني
بأنه يجب أن تكون لدى الحكومة المركزية (
الفدرالية ) السيادة الكاملة على هذه الثروة
الوطنية، آخذين بنظر الإعتبار توفير ضمانات كافية
لمنع هيمنة مركزية، قد تتغافل عن مصالح المواطنين
في المناطق المنتجة للنفط الخام، وذلك من خلال وضع
آليات ديمقراطية تكفل الحاجات التنموية الكاملة
لسكان الأقاليم أو المحافظات الغنية بالنفط الخام،
كما لبقية السكان.
5 . ماهي الترتيبات المؤسسية والقانونية الملائمة
لتلك السياسات؟
قبل التطرق الى الترتيبات القانونية والمؤسسية
اللازمة لإتباع سياسة تعظيم التنمية المستقبلية،
هناك ثلاث حقائق لابد من إقرارها كفروض واقعية
لإستراتيجيات النمو.
أولا، إن النفط هو مورد طبيعي ناضب لا محالة؛
وثانيا، إن العراقيين شعب واحد غير قابل للقسمة
والتفتيت، ذلك لأن هذا الأمر، إن حصل، سيؤدي الى
ضياع مكاسب التنمية القصوى، وسيخسر الجميع؛ أي أن
فرصة التنمية المستدامة ستضيع بالنسبة لكل الأطياف
والفئات والأثنيات والمذاهب التي قد تسعى
للإستحواذ على إدارة الحقول النفطية في مناطقها
الجغرافية. وثالثا، إن الرفاه الفردي والإجتماعي
لا يتاتى فقط من الإنسجام الإجتماعي والتعايش
السلمي بين شرائح مجتمع غني بتعدديته، إنما أيضا
من خلال إدارة إقتصادية كفوءة للموارد الطبيعية
المشتركة لأبناء هذا المجتمع، على أن تتم ضمن إطار
قانوني وديمقراطي، ومؤسسات شفافة. ودون ذلك سوف لا
يمكن تحقيق أهداف التنمية إلا بطريقة فاشلة وخاسرة؛
وفي حالة العراق ستكون الخسارة جسيمة، ذلك لأنها
ستعني ضياع فرصة هائلة للإفلات من ربقة التخلف
والفقر.
وكما يعلم الجمبع بأنه ليست هناك، اليوم، أمة أو
بلد في هذا العالم يمكن أن تدعي أو يدعي نقاءا
عرقيا أو دينيا، فالإختلاطات والإمتزاجات والهجرات
والتزاوجات، جعلت من المجتمعات الإنسانية في كل
مكان، متعددة الألوان والثقافات، وإن بدرجات
متفاوتة من حيث شدة التباين. ولكن المجتمعات
المتطورة والديمقراطيات الكبرى في الدول المتقدمة
تجاوزت، بل وألغت هذه التباينات الظاهرية، عبر
نضالات مرّة، من خلال سيادة الدستور والقوانين
التي تضمن مساواة جميع المواطنين في كافة الحقوق
والواجبات، وعلى أساس المواطنة، لا العرق أو الدين؛
فضلا عن ضمان سيادة الشعب بكامله على كافة موارده
الطبيعية دونما تفريط. وبغض النظر عن الشكل
التنظيمي للدولة، سواء كانت فدرالية أم مركزية،
يظل الإطار القانوني ومبادئ المساواة الديمقراطية
هي الأساس في إدارة الموارد والإقتصاد والمجتمع،
وليس التحزبات والإنكماشات الفئوية والمذهبية،
وتتمثل أمامنا اليوم صور حضارية زاهية في دول وأمم،
مثل سويسرا وفرنسا وبريطانية والولايات المتحدة
الأمريكية، والهند والبرازيل وأسترالية، وغيرها،
يمكن النظر إليها كنماذج لكيفية توافق الشعوب
متعددة الأعراق والأديان على التعايش السلمي وعلى
إدارة الموارد بكفاءة وشفافية.
وعليه فإن الدعوات التي تتصاعد اليوم في العراق
لإقتسام الثروات النفطية ضمن فدراليات تقوم على
أسس مذهبية، كدعوة قادة الإئتلاف الشيعي، أو على
أسس أثنية كدعوة سلطة إقليم كردستان للإنفراد في
إدارة الحقول النفطية لديها، ماهي إلا وصفات أكيدة
لهدر الموارد الناضبة وتشتيتها، لا سيما وإن هذه
الجهات الداعية، لا تمتلك الخبرات الفنية
والإدارية لهذا الغرض، فضلا عن ضعف قدراتها
التساومية، وعدم تكافؤها للتعامل مع الشركات
الأجنبية التي ستحصل على الإمتيازات في إنتاج
وتسويق النفط الخام، كما يحصل اليوم من خلال عقود
المشاركات في الإنتاج التي منحتها سلطة إقليم
كردستان الى أكثر من عشرين شركة نفطية من الدرجة
الثانية أو الثالثة، بدون حتى استشارة الحكومة
الفدرالية المركزية. وقد يتصّور الداعون لمثل هذه
السياسات التقسيمية لثروات العراق النفطية بأنها
ستكون مصدر خير عميم لهم قبل غيرهم، ولكن النتيجة
ستكون ضياع لفرص تنموية مستديمة تحفظ مستقبل كل
الأجيال لكل أبناء الشعب العراقي من كل الطوائف
والمذاهب والأعراق.
وتطرح اليوم في العراق مجموعة من القوانين لتنظيم
إدارة صناعة إستخراج النفط ولتوزيع مواردها؛
فلدينا مسودة قانون النفط والغاز الفدرالي، ومسودة
قانون توزيع الموارد المالية، وقانون النفط والغاز
الذي أصدرته السلطة الإقليمية في كردستان. فهل
ستشكل هذه القوانين إطارا قانونيا ملائما لتحقيق
أهداف تنمية مستدامة شاملة، وتوزيع عادل للفوائض
النفطية؟ هذا ما سنتناوله في القسم اللاحق.
6. لماذا تعتبر مسودة قانون النفط والغاز الحالية
فاشلة في تحقيق أي هدف من أهداف تعظيم التنمية
المستدامة؟
سيناقش العديد من الزملاء المشاركين في هذا
المؤتمر العلمي الموقر مشروع قانون النفط والغاز
المطروح، حاليا، لمصادقة مجلس النواب العراقي.
وسبق لهذا الباحث أن قدم عددا من المقالات
والدراسات، ( باللغة العربية )، عن مسودة هذا
القانون أيضا. ( أنظر الهوامش 3، 4، 5 )، وعليه لا
نود أن نكرر في هذه الورقة نفس الموضوع بإسهاب،
إنما سنركّز فقط على البنود أو المواد الواردة في
هذا القانون، مقارنة ببعض المواد الواردة في
الدستور، بما يتعلق بمقدار ملائمتها في تحقيق
أهداف التنمية المستدامة الإستراتيجية، وبالتالي
مصلحة الشعب العراقي ككل. كما سوف لا نتطرق بأي
تفصيل الى قانون النفط والغاز الكردي ولا الى
قانون توزيع الموارد المالية، بل إن التركيز سينصب
على عدد من المواد القانونية المنتقاة. للكشف عن
عدم موائمتها لمبادئ الإستراتيجية الوطنية
الأساسية والمطلوبة للتحوّل عن الإقتصاد "الريعي "
صوب إقتصاد متنوّع وديناميكي ومستديم في العراق:
1. النصوص القانونيـــة المتناقضـــة والغامضـــة
في كل من الدستور وقانون النفط والغاز ( الفدرالي
).
2. مواد قانون النفط والغاز المانحة للإمتيازات
ستضعف وتغيّب سيادة الحكومة والمجتمع العراقيين
على رسم السياسات النفطية.
3. غياب نصوص قانونية في المسودة لضمان تطبيق
مبادئ دراسات الجدوى الإقتصادية والماية والفنية
لمنح عقود الإستثمار للمقاولين والشركات الأجنبية.
وقبل المباشرة ببحث هذه لنقاط نشير الى الخلفية
الموجزة الآتية؛
خلفيــــــــــة:
إن العراق بلد واسع المساحة، نسبيا، وهو وريث أقدم
الحضارات الإنسانية. ويقارب حجم السكان فيه حاليا،
الثلاثين مليون إنسان، ( أربعة الى خمسة ملايين
منهم يهيمون في المهاجر حتى الآن )، يشكل العرب
الأغلبية الساحقة من السكان، مع وجود أقليات أثنية،
أوسعها حجما الكرد ثم التركمان، ثم أقليات أخرى
صغيرة معدودة. ويقطن الكرد في المنطقة الجبلية
المحصورة في الزاوية الشمالية الشرقية من البلاد،
ويشكلون نسبة لاتزيد كثيرا على حوالي (%15) من
مجموع سكان العراق. ومن ناحية الإنتماء الديني،
فإن المسلمين يشكلون الأغلبية الساحقة أيضا، مع
وجود أقليات دينية أخرى كالمسيحيين والصابئة
واليزيدية وغيرهم. ولكن بمعيار المذاهب الإسلامية،
فإن الشيعة هم الأغلبية، بينما يشكل السنة بحدود
ال (%40) من السكان بضمنهم الكرد السنة. إن هذا
التركيب الأثني والديني/ المذهبي، كان ولا يزال
يشكل وجهين متناقضين، الأول هو الوجه الإيجابي
الذي يعبّر عن التعدد والغنى الثقافي والحضاري،
كما يعكس روح التعايش والإلفة الإنسانية الحميمة
أحيانها، كما صهرتها قرون من العيش المشترك.
والثاني، هو الوجه الذي يستطيع أن يجد فيه الحكام
والمستبدون والطائفيون ورجال السياسة الطامعون
بسلطة وجاه، إطارا طائفيا وأثنيا هشا، يمكن
إستغلاله لأغراضهم، ولتحقيق مآرب فئوية، كثيرا ما
تؤدي الى التناحر وإثارة النزاعات وإشعال الفتن
التي كثيرا ماتعطل تقدم البلاد، وفد تقترب، أحيانا،
من تمزيق وحدة البلاد، وضياع فرص نهوضها الإقتصادي
والإجتماعي والحضاري، لاسمح الله. وكثيرا ماتعرض
الكرد، بسبب طموحاتهم القومية المشروعة الى القمع
والحروب بل وحملات إبادة، كما حصل، بصورة أبشع
إبان حكم صدام الطغياني. وتعرضت الأغلبية الشيعية
كذلك للإضطهاد والنبذ والحملات الإستئصالية،
وخصوصا في عام 1991، إبان الإنتفاضة الشعبانية
التي قمعها صدام بوحشية كاملة. وتتركز حقول النفط
المنتجة والمكتشفة وغير المكتشفة، حاليا،
بغالبيتها في مناطق جنوب العراق؛ كالبصرة
والناصرية والعمارة، كما تقع حقول نفطية مهمة في
شمال العراق، مثل كركوك والموصل وبعض مناطق الشمال
الكردي. إن سياسات التنكيل والإضطهاد الأثني، ضد
الكرد بصورة أساسية، والمذهبي، ضد الأغلبية
الشيعية بصورة أساسية، كانت دائما وراء تأجيج
العداء والصراع الإجتماعي، الأثني والمذهبي؛ مما
خلق ظروفا مناسبة للتوظيف السياسي لهذا الصراع من
أجل مآرب سياسية، أصبحت مكشوفة الآن. وإذ لا نود
الدخول في مبحث إجتماعي/ سياسي في هذه الور