اليسار العراقي والعاطلون عن العمل
جليل بشير
لم اكن يوما قد انتميت الى حزب واي حزب ، انا رجل
بسيط جدا في حياتي ، احب وطني العراق واحب اهلي في
العراق . اجد صعوبة جمة في صناعة الفكرة ، اي اني
استهلك من الوقت مايكفي لكي اتمكن من ان انتج فكرة
نافعة ، وصناعة الفكرة عندي لاتشبه ابدا صناعة
الطرشي ، انها عملية شاقة وتحتاج الى المزيد من
التركيز والخبرة واستقراء مفردات الواقع الذي من
اجله ومنه اريد ان اصيغ فكرة ما ، اضافة الى ذلك ،
ليس لدي الوقت الكثير الذي يجعلني ان ادون افكاري
، فان ظروف الحياة تلزمني ان اعمل لكي اعيش واستمر
كما اني لست عاطلا عن العمل ، وظروف العائلة
تلزمني ببعض المسؤوليات ايضا وهذا جزء من واجبي
الوطني والاخلاقي ، فلست عازبا ولم يهجرني اهلي ،
وما ارمي اليه من خلال كلامي اعلاه والذي لااستطيع
اخفائه ، هو دهشتي الكبيرة من قدرة البعض ويوميا
على تحرير ثلاثة صفحات او اكثر من الافكار ، التي
يعتقدون انهم وحدهم توصلوا اليها قبل غيرهم . لكن
في الحقيقة ماهي الا ثرثرة فارغة وتكرار ممل وتعبر
في غالب الاحيان عن خيبة تنبعث منها رائحة الغرور
وحب الذات والتعالي ، ولاتعبرعن مشاعروطنية
وانسانية ابدا ، وللاسف الشديد ان هذه القضية تبرز
في الوقت الحالي ، خاصة عند الذين يدعون بانهم
يساريين ويريدون اصلاح البين ، اولئك ينطبق عليهم
القول ، بانهم يذهبون الى النوم لينتقموا باحلامهم
من الشيوعيين اشد انتقاما ، فالذي يكتبونه ينتشر
فوقه الطفح ولايورث للقارئ سوى الدوار ، وحسنا فعل
الشيوعيون بعدم الرد عليهم ، بل ان احسن الطرق
للرد عليهم تكمن في نسيانهم تماما .
بودي هنا ان اسألكم ، متى تفكرون وماهو الوقت الذي
تمضونه في تأمل افكاركم ، ومتى تكتبون ومتى تنشرون
، ومتى تعملون وهل تاكلون وكم من الساعات تنامون ،
وماهو الوقت الذي تنفقونه مع اولادكم واصدقائكم
وعلاقاتكم !؟؟ ، واذا كان كل ذلك لاقيمة له امام
التضحية من اجل الوطن فلماذا لاتذهبون الى وطنكم
وتناضلون مع شعبكم كما فعل الشيوعيون العراقيون
!؟.
رغم اني لم اكن شيوعيا ، لكن حبي للعراق وشعب
العراق يجعلني ان انحني لهذا الحزب العظيم لما
قدمه من تضحيات جسيمة ومازال يقدمها من اجل قضية
نبيلة ومن اجل حلم جميل تمناه لشعب العراق . ( عمي
على كيفكم اشبيكم مثل العجايز اتندبون حظكم !) .
اذهبوا للعراق ، اتصلوا بالناس وقودوهم في تظاهرات
او اضرابات واعتصامات ربما تستطيعون القيام بثورة
عارمة ، حاولوا ، جربوا ، قد تجدون هناك سوقا
لبضاعتكم ، وربما ستصطف الناس خلفكم ، عند ذاك من
حقكم ان تقولوا للقاصي والداني ، ها نحن وها هي
جماهير شعبنا ، طبقوا مقولة لينين الشهيرة ( افعل
حيث توجد الجماهير ) ، اليس ذلك اشرف من اللطم
وصفع الخدود وعض الاصابع على الحوار المتمدن ،
فالذي تكتبونه يبعث على الغثيان خاصة اذا كان
المستهدف هو الحزب الشيوعي العراقي ، لقد جرب
غيركم الكثير وكان مصيرهم الفشل والخزي والعار، بل
المصير الذي تعرفونه جيدا وارجوان تكملوا الجملة
........!. لاتجعلوا من خلافاتكم مع غيركم كأنها
ثنائية فلسفية ( الشئ ونقيضه) ، لان بصراحة كل
خلافاتكم شخصية ، بل كلها جاءت نتيجة لطموحكم غير
المشروع في الحصول على مراكز قيادية بالحزب وربما
استثني من هذا واحد او اثنين انهم مجرد ( على حس
الطبل خفن يرجلية ) .
انكم تفترضون الفكرة في الظروف الاكثر احراجا
وتشابكا ، ثم تصدقونها ، باعتبارها الحقيقة
الوحيدة المتبقية ، ليس على اساس انها عملية
استقرائية متراكمة ومتواصلة ، انما على اساس
المنطق الاستنباطي المجرد ، وهذا مايجعلني ان اقول
عنكم انكم تدسون رؤوسكم في تراب السماء .
بمعنى اخر انتم فاشلون سياسيا ومستهلكين لانفع
منكم ، انكم من المستحيل ان تجتمعوا ومن المستحيل
ان تاسسوا حزبا او تجمعا ، انكم غير قادرين على
ذلك مختلفين فيما بينكم لاتستطيعون العمل بين
الناس وكل هذا الكلام مجرد هرجة سوق ، اي انكم
قادرين فقط على الثرثرة التي تجد لها طريقا سهلا
الى النشر على الانترنيت ، وهذه المهمة لاتشبة حمل
السلاح ومقاومة الاحتلال التي تطالبون الحزب بها .
اذهبوا بانفسكم الى هناك ، فالسلاح ينتشر في
الشوارع ومن السهل الحصول عليه ، وهو متنوع وفتاك
، فهناك البنادق بانواعها والاحزمة الانتحارية
والعبوات الناسفة والمدافع بكل عياراتها ، اذهبوا
وجربوا ان تزرعوا عبوة ناسفة على رصيف شارع الرشيد
لتنفجر بحافلة نقل للركاب وقولوا فيما بعد ، انها
كانت تستهدف الامريكيين لكن الضحايا للاسف كلهم من
الاطفال والنساء . اذهبوا فليس هناك مايعيقكم عن
ذلك ، فقط ان تملكوا ارادتكم ، وانصحكم ان اردتم
العودة الى الوطن ان تحرروا هذه الارادة من
الافكار البالية والهتافات والتصفيق ، فان لم
تفعلوا ستعودون بخفي حنين ، وعندها تتحول تلك
الاحلام الى اوهام .
نحن مثلكم نحلم وكل العراقيين يحلمون ، ومن حق كل
انسان ان يحلم ، بل بالضرورة هو يحلم ، وكلنا يحلم
بتغيير صورة الوطن ، في ان نجعل تلك الصورة تشبه
قصيدة جميلة ، ونرفض بشدة كل من يريد مصادرة
احلامنا ومشاعرنا وعواطفنا ، ليجعل منا اجسادا بلا
ارواح . لكن حلما بهذا الحجم وبهذا القدر من
اللمعان والنقاوة ويراد لنا ان ننسج ونصيغ منه
وطنا جميلا ، لن يتحقق بالشعارات والافكار العاجية
الثورية البسيطة التي كنا في ايام شبابنا مسحورين
ببريقها ، ولا من خلال الجلوس في الابراج العالية
، ولا في تاسيس دكاكين على صفحات الانترنيت ،
كُتبت واجهاتها بالجمل والعناوين الرنانة ، دكاكين
ان لم تكن خالية من اية بضاعة تنفع المواطن ،
فانها لاتحتوي إلا على مافسد منها . ان ذلك الحلم
سوف يتحقق بالفهم والاستيعاب الدقيق لكل مفردات
وتفاصيل الواقع المعقد المطلوب منا تغييره وتجديده
باساليب واضحة ومعقولة ومقبولة لدى عامة الناس ،
وليس نزولا عند رغبات وامزجة بعضنا .
ان الحلم يتحقق بالسعي الحثيث والعمل الجاد
والحقيقي في بناء قاعدة مادية يمكننا من خلالها ان
نضع اولى الخطوات على الطريق الصحيح ، الطريق الذي
يؤدي بنا الى التخلص من الاحتلال وكوارثه ومن
سياسة المحاصصة والتمزق العرقي والطائفي السائدين
، لا من خلال الدعوة الى الانفصال والتكتل
والانشقاق ، التي ستبقى وصمة عار في جبين كل من
يهدف ويدعواليها كما كانت وصمة عار في جبين من
سبقكم .
لاتاخذوا تنفيذ مهمة البعثيين والاسلاميين
المتشددين والقوميين الشوفيينين وحتى المحتلين في
معاداة الشيوعيين على عاتقكم ، ان ذلك مجرد فخ لان
المهمة مستحيلة ، ليس انا الذي اقول وانما التاريخ
والتجربة هي التي تقول ذلك . واخيرا اقول لكم
وللحفاظ على ماء الوجه ان تعودوا في ما تبقى من
سنوات العمرالى بيوتكم وممارسة حياتكم الشخصية فهي
جديرة باهتمامكم اكثر من اي شئ اخر.
_____________________________________