سنوات ثورية شجاعة ..حوار
مع عدنان الشاطي وثوار جنوب العراق
الحلقة
الثــانية

حوار: رحيـــم الغالبي
raheemalghalbi@yahoo.com
2008 / شباط /
12
في نهاية الحلقة الأولی من
الحوار مع الزميل رحيم الغالبي تطرقت الی الفرحة العامرة
التي غمرتني وعدداً من الأصدقاء من منتسبي المعسکر لخلاص
صديقنا المسکين کاکا علي من الموت المحقق اعداماً بالرصاص
بتهمة الخيانة العظمی!
وقد تمکن
کاکا علي بعدها من
الحصول علی اجازة قصيرة فسافر مباشرة الی السليمانية
لزيارة عائلته.
ويبدو انه قد أخذ امنيتي بالعودة الی إيطاليا علی مأخذ
الجد اعترافاً نبيلاً منه بما قدمته له من عون في اعداده
للأجابة عن الأسئلة المتوقعة في المحکمة العسکرية.
وفي هذه الحلقة اورد اجاباتي
عن مجموعة اخری من اسئلة الزميل الغالبي
.(
إقرأ الجزء الأول)
س: رحل
صديقك الكوردي
على محمد رستم وبقيت في المعسكر تنتظر عودته. كيف كان الوضع
السياسي في تلك الأيام؟
ج – كانت أوضاع الجنود غير مستقرة ونفسياتهم مشوّشة
وافكارهم خليط
من التدين والكفر بكل شيء . لقد كانت
الثورة الايرانية باعثاً للعودة الى الدين , ولكن وجدوا
أنفسهم في صراع مع الواقع, وكان السؤال الكبير الذي
يتبادر الى أذهانهم هو : أين الحقيقة, هل يصدقوا ماكنة
دولتهم الاعلامية أم بيانات ايران الشيعية؟! إنه سؤال محيّر
للكثير من الناس ليس في البصرة فحسب, بل في عموم العراق.
وبدأ الناس
التفكيربعواطفهم وليس بعقولهم. وهذه مشكلة
كبرى, لأن كلا العراق وايران يعتمدون على عامة الناس في
إسنادهم لماكنة الحرب, فالعراق كان يستخدم إمكاناته
الأعلامية الردّاحة ليل نهار وعلاقاته الدولية مع الغرب
والشرق لأسقاط الثورة الاسلامية في ايران. وكلاهما استخدم
الشهادة وحور العين كمكافئة إلهية مقدسة لأولاد المعدومين
والسّذج والمضللين بهم. ووجد الناس أنفسهم على حافة الدين
واللادين. ومن ضمنهم أحد أقاربي الذي عاهد نفسه بانه
سيتخلى عن صلاته لو انتصر صدام بحربه مع إيران. وطبعاً
انتصر صدام – أو هكذا خُـيّل له بعد أن فقدنا مئات الآلوف
من الضحايا والمعوقين, وخراب المئات من القرى و تشريد
سكانها في شرق البلاد وشماله, وتدمير الملايين من أشجار
النخيل والمزارع والحقول, وتعطيل الحياة الأقتصادية
منذ عام
1980 ولحد الأن. كل ذلك حصل بفضل رفاق 8 شباط 1963 "المنحرفون"
ورفاق الثورة البيضاء1968.
خلال زياراتي الشبه شهرية, كنت التقي بالاصدقاء والاقارب
والجيران. وكنا نتحدث عن الحرب طبعاً ونشتكي لبعض ونضع
حلولاً للحرب معقولة وغير معقولة. ولكننا دائما نرجع الى
نقطة مهمة وهي كيف نعرف بأن إيران قد بدأت الحرب وأستولت
على أراضي عراقية في الحدود الشرقية كما
يدّعي
الرئيس القائد
؟ طيب, ولكن كيف نتأكد من ذلك؟ ومن يجرؤ على الذهاب الى
هناك لكشف الحقائق؟!
ففي زمن ثورة البعث البيضاء
لاتوجد خريطة
للوطن
في الأسواق ولا أنواء جويّة ولا أخبار طقس, لان ثورتهم البيضاء
لا تريد أن تزعجنا بكل هذه الأمور وتريد الشعب أن يرتاح فى
ظلام دامس!
فوجئ والدي عندما سمع بيان الحرب على أيران الذ ي يقول ما
مضمونه " ان الشعب العراقي المجيد قرر شن الحرب على الفرس
المجوس....!!” فنهض والدي وطرق الباب على جيرانه وصديقه
الحاج ابو عباس. ولما فتح ابو عباس الباب بادره والدي
سائلاً: " كيف تتخذ قراراً خطيراً مثل هذا ولم تخبرني؟!!!
فضحك ابو عباس وقال له بسخرية: " ان الرئيس القائد لا يطلب
الاستئذان منا, عنده مجلس الغنم الوطني !!", ودعاه الى
القهوة ذلك الصباح, وجلسا جنب الراديو طوال اليوم. يتحدثون
عن ثورة تموز وأيامها الخالدات
وما آلت اليه الأمور بعد 8 شباط المشؤوم.
في هذه الفترة بالذات سحبت اجهزة الراديو ذات الموجات
القصيرة
,واغرقت الآسواق بأجهزة ذات موجات متوسطة,
خصوصاً
في الوحدات العسكرية
وحوانيت الجيش. وعرفنا من هذا بأن جهاز راديو
الموجات القصيرة أصبح من أهم ما
نملك, لأنه النافذة
الوحيدة التي بقيت مفتوحة على العالم الخارجي. وبدت أجهزة
راديو ومحطات تلفزيون وصحف العراق وكأنها نسخة واحدة
تكتبها نفس الأقلام
البائسة. وكانت
تتزاحم على السيد القائد
زيارات جيوش
المنافقين من الكتاب والشعراء
والأصدقاء والعلماء والرؤساء , وتتوالى
آيات التأييد
وعقود العهد
الموقعة بالدم, والقسم بالموت أو
الشهادة تحت راية
"هُبـَل " القائد الفلتة.
والغريب هو أن الجميع كانوا يتنافسون
على إهانة أنفسهم أمامه وأمام العالم.
وكان هؤلاء الكتاب يهيلون عليه الألقاب
القدسية والطنانة,
و يؤكدون لنا
بأن العالم كله يحسدنا على هذا القائد الأسطورة .واستمرت
الصحف في تملقها ونفاقها عبر كتابها المأجورين الذين
يذكروننا كل يوم بمواهب القائد وكراماته التي لا تحصى.
وسخّرصدام التلفزيون العراقي لنفسه "عينك..عينك", ويعني
بدون حياء!, كما قالت أُمّي. وكانت والدتي تعلق على زيارات
القائد وتخاطب الجماهير الراقصة بين يديه: بعد ...هوْسوا...بعد.اخوتي
النشامة وينكم..“ يالهيبه ..يالمامش منَّـك...يالهيبه..يالمامش
منّك..!!” ياعيب العيب!! (وتستشهد بهذه الهوسة القديمة,
وتعني ياهيبة..الذي
لا مثيل لك!)
إن كل هذا اللغط,
في الحقيقة , هو إهانة لكرامة الشعب العراقي
وتاريخه الحضاري والنضالي العريق. لأن صداماً يعرف من هو
صدام النرجسي
المجرم, لكن هذه الجحافل الردّاحة كانت قاصرة عن فهم
ذواتها,ونسيت تاريخها وحضارتها
وكانت فخورة بقائدها "هُبَل" المتمثل بشخص صدام
, كما تفعل اليوم
مع غيره في العراق بعد
رحيل صدام.
فهل سنتعلّم بعضاً من دروس هذه التجارب القاسية ؟!
كانت معظم برامج التلفزيون هي أخبار زيارات القائد -الذي
لم يحفظه الله
فيما بعد - ويستقبل ضباطه الأشاوس المتميزين في القتل
والخراب على كل الجبهات. وكان القائد نفسه متميّزاً في
حفلاته الخطابية الليلية المملة التي تبدأ بأخبار الثامنة
مساءً ولطول الخطابات والزيارات لايجرؤ مخرجو التلفزيون
على قطعها فتتصل بأخبار منتصف الليل!! فلا برامج ولا أفلام
إلا ما ندر بإشارة أو "مكرمة" من القائد لبث أحد أفلام
بطولات الكاوبوي
التي يأنس لها!!
وفي أحدى حفلات توزيع أنواط الشجاعة على ضباط الجيش
المتميّزين, استرسل
القائد في دوامة التميّز التي أصبحت إضحوكة
في اليوم التالي ولمدة طويلة.
وبدأ القائد كلامه كالاتي" إنّو لا بد من تمييز.. ها..
الرجال..ها.. المتميّزين على جميع ..ها..الذين تميّزوا من
قبل هذا التميّز..ها.. أو بعد هذا التميّز....هاهاها....!!” وصمت
ولم يصل الى نتيجة من هذا الكلام "الخريطي" وكان ضباطه قد
إصطفوا واقفين بتصفيق حار ليس له مثيل!!
قرر والدي عدم استعمال التلفزيون بعد أفلام كارتون, التي
كنا نشاهدها جميعا
أيام الاجازات. ولم يحتج أحد على فكرة والدي. لأننا
كنا مشغولين على الدوام بأمور أفضل في كل الأحوال. وأن برامجنا
المفضلة أربعة فقط
, كما هي الحال لمعظم العراقيين,
وهي أفلام كارتون والرياضة في أسبوع
لمؤيد البدري , والعلم للجميع لكامل الدباغ, والسينما
والناس لأعتقال الطــائي. ماعدا ذلك فالجميع منشغل
بالقراءة أو الحديث في جلسلت الشاي الحزينة. ولم نعد نتكلم
ونمازح كما في السابق.
ولم أعد أرى إخوتي وأقاربي واصدقائي لأن الجميع
كانوا يساهمون
في " كونات" القائد , إلا ما ندر. فالوجوم مخيّم علينا وعلى الجيران
والمحلة والمدينة والعراق كله. وتلاحظ اللافتات السواء
معلنة فقدان الكثير من الاحبة في جبهات الحرب مع إيران
وتزداد مع الايام على جدران البيوت والمدارس وفي الشوارع.
وفي كل شهر أزور فيه الناصرية وسوق الشيوخ, وبغداد أرى
المزيد من تلك اللافتات السود
, وطبعا ملابس الرجال والنساء
والاطفال يطغي عليها السواد كما هي الحال في عموم العراق
الجميل. أما محطات التلفزيون ألاخرى الآتية من دول الأخوة
الأعداء
من حولنا فكان يغطيها تشويش تام.
وفي موازاة إنجازات قائد الأمّة المُلهَم, هناك تنافس معه
من قبل أبناءه
- قادة المستقبل- عدي وقصي, فلا يتوانى ايّ
منهم في منافسة أبيه ولو بنطاق محدود في ممارسة الجريمة
وانتهاك الحرمات في جامعات بغداد وفنادقها العلنية والسرية.
وإهتمامات الابطال أولاد القائد ليست لها علاقة بالثقافة
والادب أوحتى
السياسة , بل معظمهاتتعلق بالاعتداء المستمر
على المواطنين وانتهاك حرماتهم وكرامتهم واذلالهم كما كان
يفعل أستاذ عُدي, كما كان يسميه أفراد حاشيته. وبالطبع هذه
الاعمال العدوانية والتجاوز على ممتلكات الدولة وعلى حقوق
وكرامة الناس لم تقتصر على أولاد
"الهيبة
" بل تعدتها الى
مسؤولين كبارأخرين في بغداد وعموم العراق. وكلما إزدادت الضغوط على النظام البعثي في جبهات القتال, أزدادت طرديا"
حريات وهدايا الضباط "المتميّزين"
مع ازدياد شراسة كلاب
الأمن والخابرات في أنحاء العراق, وعكسياً
مع قيمة
الانسان العراقي
الذي لايجيد النفاق والردح الثوري!,
إذ أشبعوه حرماناً وإذلالاً وقتــلاً.
وكانت الصلاحيات التي يتمتع بها كلاب الأمن والاستخبارات
مخيفة كما كانت في 8 شباط الأسود وبنفس الأخلاقيات,
لدرجة
أن بإمكانهم قتل المواطن العراقي في أي
وقت وأي زمان
ومكان دون وازع أو ضمير. ومن الطبيعي ان تشمل هذه
الصلاحيات الجيش الشعبي, ومن ضمن ضحاياه ابن خالي الشاب
محمد الذي قتله افراد هذا الجيش اللاشعبي في محاولة القبض
على الهاربين في الأهوار أثناء حضوره حفل زواج أحد أصدقاءه.
رحل محمد وترك زوجته وأطفاله دون معيل, وكان المرحوم محمد
الضحية الثالثة بعد إخوته الأحبة الذين سقطوا في مهاترات
الهيبة القائد الحربية واولهم غالب, ثم طارق وخالي الحبيب
وبقي صادق وحسين والصغير على يتحملون مسؤولية أعالة
العائلة الكبيرة.
س: هل شهدت إعدمات عندما كنت في العراق؟
ج- نعم, لقد شهدت إعدامات لم أسمع بها من قبل, وتسمى "حفل
أعدامات!!”. حدث ذلك عام 1984 عندما كنت في معسكر
الديوانية. وقد تهيأت له قيادة الجيش الشعبي لساعات
والدعوة له في المدينة من مكبرات الصوت المثبة على
سياراتهم. وهرع الناس الى ساحة واسعة بين البيوت وتم اطلاق
النار
على مجموعة من الشباب المعصوبة
أعينهم الفارين من
الخدمة العسكرية أو جبهات الحرب مع أيران. وطبعاً هرع
الناس من الاطفال وكبار السن من الآباء والأمهات
ليس للاستمتاع بمنظر القتل المروّع, بل لمعرفة الضحايا.
وسقطت أجسادهم الطرية الواحد تلو
الآخر أمام الجميع, وترك رفاق الجيش الشعبي المكان بعد اتمام حفلهم هذا
كالطواويس المترهلة منتشين بين جموع الناس
المرعوبة ونحيبهم الصامت,
وكأن ماقاموا به على التوّ مكرمة أخرى تضاف الى مكارم سيدهم
القائد.
وشهدت حادثة مقتل أحد الفارّين من الجيش في محلة
-خمسه ميل-
في مدينة البصرة عام 1985. وكان شاباً في مقتبل عمره
يطارده أفراد الأمن أو الجيش الشعبي
,ولكنه لم
يستطع الاختفاء فحاول صعود عمود الكهرباء قرب بيته,
واطلقوا النار عليه وسقط صريعاً كالطير المذبوح أمام أمّه
المفزوعة. وبكى ناس كثيرون
على ماحصل, ولن أنس َصورة هذا
الحادث ما حييت.
س: متى بدأت التفكير بترك العراق وهل فكّر أحد معارفك
بالهروب قبلك , والى
أين؟
ج- لقد رجعت الى العراق لكي أعيش فيه بين أهلي وأصحابي ,
ولكني بدأت بالتفكير بالهروب بعد تردي الاوضاع الأمنية
وأوضاعي الشخصية, وبعد إزدياد السؤال عني في محلة الاسكان,
وكان أكثر خوفي كان على والديّ وعلى أخواتي الثلاثة. وكنت
خلال أشهر طويلة
أحاول العثورعلى طريقة
أمينة للخروج, ولكني لم
أنجح في ذلك. وقارنت الوضع السابق بالوضع الحالي
بعد زوال صدام , واتساءل
كيف يتسنى لمئات الارهابيين
الدخول الى العراق دون علم أحد؟! وهل
كانت من خطط الاحتلال أن يحلّوا الجيش العراقي وحرس الحدود
والشرطة ويتركوا العراق مرتعاً للأوغاد؟!!
ومن الذي وافق على هذا القرار التعيس؟ ألا يعلم العراقيون
بأن ليس من العدل أن تتهم جميع منتسبي مؤسسات الجيش
العسكرية بالموالاة لصدام وحزبه؟! ألم يسمعوا
بإعدامات العديد من كبار القادة العسكريين لمجرد تفكيرهم
بإزاحة صدام؟ إذ كان على الأقل إعطاء الجيش
والمؤسسات الأخرى فرصة للأختيار بين الدفاع عن صدام
والوقوف مع الشعب والوطن المستباح, كما تفعل شعوب الدنيا
المنكوبة
ومنها أيران.
أما الشخص الوحيد الذي حاول ترك العراق قبلي هو أخي الكبير
عادل الذي كان يعمل بالتعليم في متوسطة سومر في الناصرية.
وقد رتّب عادل مع أحد زملاءه المدرسين من أهالي بغداد
,واسمه استاذ عودة, مشروع هرب الى الكويت عن طريق مزارع
صفوان. ورتبوا أمورهم واتصالاتهم مع " المعزّب" – وهو
الشخص الضامن لهم ويعمل لهم بطاقات عمل كمزارعين في مزارع
الكويت المحاذية الى
طريق صفوان. وطبعاً
عادل وعودة لم
يزوروا المكان من قبل ولكن كانت لديهم ارشادات كافية
تساعدهم
على إجتياز نقاط التفتيش الكثيرة من الناصرية الى
صفوان. كان عودة رياضياً رشيقاً وعادل ليس رياضياً
وثقيلاً!!
لم أستطع معارضة المشروع لأن العمل به كان سرياً ويبدوان
على أهبة الاستعداد للسفر حسب التعليمات. وودعناهم.
وصل عادل وعودة الى المزارع في ليلة دامسة الظلام وتجاوزوا
مناطق الخطر والانوار الكاشفة التي نصبها الكويتيون ووصلوا
الى الكوخ المحدد الخاص بعمال المزارعين الكويتيين. وفي
الصباح حضر " المعزّب" وهنأهم على سلامة الوصول وطلب منهم
صور شخصية لكي يعمل لهم هويات مزارعين!! ولكن الجماعة لم
يفكروا بهذا الامر فلم يجلبوا صوراً معهم. ففشلت الخطة!!
إنتظر عادل وعودة الى المساء وتسللوا تحت جنح الظلام
ووصلوا
بالكاد الى فندق في مدينة الزبير , وكاد الركض
في الظلام بين الاشواك أن يقضي عليهم. ووصلوا الى الناصرية
في اليوم التالي وارجلهم وسيقانهم
متورمة ويئنون من الاشواك
الكثيرة فيها!! كنت في البيت حينها وعملت مع أخي الصغير
على فرقة إنقاذ وجلبنا الماء الحار وملاقط الشعر لأخراج
الاشواك من ارجلهم وسيقانهم. وبعد يوم رحل أستاذ عودة الى
بغداد وبقي عادل يئن في الفراش لأيام عديدة متسلياً
بسرد
المغامرة هذه لنا وللمقربين مرات ومرات. وقد خرج الاساتذة
عادل وعودة من هذه التجربة بشيئين جيدين هما إتقان اللهجة
الكويتية
-..ها يُبه
..علامك وآشتبي يالاسْمر!!- وتمكنهم من ترجمة النكات العراقية
الى الكويتية لأشهر بعد تلك المغامرة. وكنا سعيدين جداً
برجوعهم لأن الاوضاع حتى في الكويت ليست من صالح العراقيين,
ومواقف
الكويت تجاه الشعب العراقي كانت مشينة, كما هو الحال في
أماكن أخرى. ولسبب بسيط هو "لأن صدام الهيبة جان ماخذ
بوشهم!!” كما تقول والدتي.
س: هل ذهبت الى الخطوط الأمامية للحرب؟
ج- كلا لم أذهب الى الخطوط الأمامية وكان معسكرنا يعتبر
ضمن الخطوط الخلفية, وكان القصف الأيراني يصلنا ونسمعه على
الدوام في البصرة. ولكن طواقم الميكانيكيين والمهنيين
الآخرين كانوا يذهبون الى الجبهة أو قريب منها على الدوام
كجنوب البصرة و شرق شط العرب. وخصوصاً أيام معارك
شرق البصرة وشط
العرب والمملحة ( وهي المنطقة الشرقية المنخفضة من الشارع
الرئيسي المؤدي الى مدينة الفاو وتملأ هذه الأرض كميات
كبيرة من الاملاح بسبب التبخر الدائم). وحكى لنا بعض
الاصدقاء العائدين من المملحة بعد أحد المعارك ما شاهدوه
هناك. وقال أحدهم بأنهم وصلوا الى منطقة
جنوب قضاء ابي
الخصيب وقبل الفاو, وشاهدوا بأن السير معطل تماماً للعجلات
بسبب القصف الايراني الشديد, وكانت الدبابات والعجلات
العراقية بأنواعها معطلة ومحروقة بطواقمها, ولا مفر من هذه
الملحمة – كما كان يسميها السيد القائد, وهي بالفعل ملحمة
أو بالاحرى مصلخة!!ولم ينج منها الكثير الا ما تمكن من
الاختفاء خلف ساتر الشارع المرتفع قليلا, ومن سقط في
المملحة فقد تهرى جلده بسبب الاملاح وحرارة الجو. وقد رأي
الجنود جثثا" كثيرة محروقة لمسافة بعيدة. ورأوا أيضاً بعض
القادة العسكريين وهم يناقشون معالجة الوضع وكيفية السيطرة
عليه لكي
لا يُحرجوا
سيدهم القائد الهُمام. وبعد قليل وصلت سيارات
عسكرية كاسحة و شفلات الطرق وبدأت الشفلات بحفر خنادق على
يمين الطريق ودفنت فيها جثث العراقيين الشهداءبصورة جماعية
– أولاد الخايبة طبعاً- وأباؤهم وأمهاتهم وأحبتهم قد
ينتظرون عودتهم في ساحة سعد!! واما العجلات المحروقة
والعاطلة فقد تمت إزاحتها
بالشفلات
للسماح بمرور الارتال العسكرية
التي تنتظر الدخول الى المعركة في الافق. والناجين منهم
ساعدهم جنود من وحدات عسكرية أخرى في سياراتهم العسكرية
الى أماكن بعيدة عن الملحمة البعثية وفرق الأعدام.

عدنان
الشاطي
في إحدى محاضرات التوجيه السياسي في المعسكر
الديوانية -1985 |

الجندي
الأول الأحتياط عدنان الشاطي - آخر صورةعسكرية -
البصرة 1986 |
لقد تحدث اصدقاؤنا عن هذه الامور بسرية تامة في تلك الأيام
ولم يكن من الشائع ان نعترف بهزائمنا كما نعرف. وكانت هذه
ملحمة -أو مصلخة
بشرية واحدة – من العديد من الملاحم في
أماكن أخرى. وأنا متأكد من أن الأيام ستكشف قصص الرجال
الذين قذفت بهم
قادة الثورة البيضاء الى محرقة
الموت الزعاق.
ان اقسى ماتراه في تلك الايام بعد زجّ خيرة شباب العراق
في محرقة حروب السيد القائد,
هي صورغابات النخيل المحروقة
والتي لا زالت واقفة بكبرياءها المعهود بلا سعف ولا عذوق
برحيّة, وتخنقك العَبرة. لأنك
تلتفت يمنة ويسرة ولاتجد
مواساة في وطنك الذي تعيث فيه الذئاب, بل تجد نفسك في
تمتمة لا إرادية تقول "حسبي الله ونعم الوكيل". ولا تختلف
حيرة المواطن العراقي بين الأمس واليوم كثيراًً, إلا أن الأمل في خلاص اليوم أفضل من الأمس.
|

"نخيل البصرة - من ضحايا حرب أيران - 1986"
من مجموعة تخطيطات من الذاكرة - رسم :عدنان
الشاطي |
س: هل كانت لك علاقات طيبة مع المراتب الأخرى في وحدتك
العسكرية غير الجنود؟
ج – نعم, كانت لي علاقة طيبة مع مساعد الوحدة النقيب
المهندس عبد علي (على الأرجح) من الديوانية وضباط مهندسين
آخرين ونواب ضباط رائعين منهم الحاج جعفرالكربلائي, وكان الحاج جعفر
حكيمنا! الذي نصغي الى نصائحة الثمينة في تحاشي الحماقات
والاخطار. وكذلك رئيس عرفاء الوحدة أبو حيدر. وعندما
انتقلنا الى البصرة نقل من وحدتنا العقيد فاضل الطيب
من الصويرة - مدينة
الشهيد عبدالكريم قاسم, وجاء
بدله عقيد من أهالي الشنافية وهو ابن إقطاعي كبير وبعثي
قح كنت أسميه الغول!- لايحضرني إسمه, ثم استبدل
بالرائد محمد الجبوري وعضو
فرقة حزبية. هذه التغييرات كانت تحدث بين الحين والاخر
للضباط ولم يبق معنا من الضباط القدامي الا
ملازم أول عدنان ضابط الأعاشة
والرواتب.

عدنان
الشاطي يتسلق نخلة في معسكر الديوانية أيام الرطب
اللذيذ -1985 |

عدنان
الشاطي مع صديقي العزيز مهندس إحتياط ستار
حسين - معسكر الديوانية 1985 |
ولما عرف رائد محمد بأني أعرف الرسم والخط إستدعاني الى
غرفته وكلفني برسم خيول عربية. وذهبت الى الناصرية في
إجازتي الشهرية ونقلت له لوحة من إسطبلات خيول القرن
الثامن عشر. ولما سلمتها له بعد رجوعي الى المعسكر, توقف
عن تصفح اوراق مبعثرة أمامه ووقف منزعجاً بإستغراب وقال:
لك هاي شنو؟!! يا
َول..أني كتلك ترسملي خيول عربية أصيلة
لو حُصن مال عرباين؟؟!! فقلت له: سيدي حلوة هاي
الحصن
وقويّة!! فاجاب باشمئزاز: يالله أُخذها... أخذها ما
أريدها.....لا ياحصــان!!
فأخذت اللوحة وخرجت منه فرحاً. وفي طريقي رآني النقيب
المهندس
عبد على فقال: ها..عدنان ..أشو رجعتها...إذا
ميريدها آني آخذها!! فاعطيتها الى النقيب وتخلصت من لوحة
حصان العرباين!! وشكرني ودخل الى غرفته. ومن الواضح أن
الضباط قد تحدثوا عن الموضوع
مع آمر الوحدة, لأن أحدهم قال
لي في اليوم التالي: عدنان انت خوش رسام , بس بالحصن
ينرادلك أشويه تدريب !!
وآرتحت لهذا التقييم, ولم
يكلفنى أحد
بالرسم بعد ذلك الحادث!
س: هل طلبوا منك رسم صورة صدام عندما كنت في الجيش؟
ج – نعم, طلبوا مني رسم صورتين لصدام وصورة للقعقاع! الطلب
الأول عندما كنت في معسكر الديوانية, وعندما انتهيت من
الصورة رفضها نائب الضابط عبدالرحمن والضباط الآخرين لأن
الصورة الكبيرة تبدو من بعيد وكأن الرئيس مصاب بشلل نصفي
بسبب ترهّل شفته اليسرى, لأني بالغت بتضخيمها!! وطلبوا مني
أن أصلح ذلك في الحال. ولكني طلبت من عبدالرحمن أن يعفيني
من الواجبات الليلية لمدة أسبوع, لأن التصليح يتطلب وقتاً!!
وقضى الاسبوع ولم تتغير الصورة كثيراًً, حتى أن عبدالرحمن
نفسه حاول مساعدتي بالرسم ولم ينفع فتركناها كما هي!!
وكلما يمر أصدقائي الجنود وينظروا الى الصورة يبتسمون.
وعلق صديقي
المهندس ستار مرة سائلا" : هذا صاحبك بعده مشلول؟؟!!
ولم تنفع محاولات الاصلاح, وفقدت الهدية والاجازة
وذهبت جهودي في رسم الصورة
هباءً. وفرحت بذلك واعتبرت ذلك
نصراً صغيراً لي بمساندة أصحابي الجنود وطرائفهم
حول الصورة.
والصورة الثانية في معسكر الديوانية وهي صورة القعقاع على
لوحة حديدية كبيرة مربعة بطول 6 اقدام من ورشة المعسكر .
ولكني أعطيت صديقي العريف صباح ,الذي كان يتعلم الخط معي
ولديه
مهارات قليلة جداً في الرسم,
كامل الصلاحيات ليرسم
مايشاء!!
ورسمت أنا القعقاع نقلاً عن صورة أحد الجنود إسمه عبدالرضا
- كما أعتقد. ورسمت خيولاً صغيرة في الأفق,
وتفنن صباح في تدمير اللوحة تماماً ولم يفرّق الناظر اليها
بين الافق والارض والسماء. وأستمر صباح يعمل بها لعدة أيام
,وانا معه أحضر له الاصباغ,
وانظف الفِرشاة!!
كان عبدالرحمن كثير المزاح ولطيف
المعشر, لكنه غريب الاطوار بعض الأحيان. سمعته مرات
عديدة يتكلم
مع نفسه في المعسكر ويقول: هسـّه أفتهمنا..إصوابك
بالجْبود (بالاكباد)...زين الخصـ.... ليش ملتهبات؟!! والله
ما أدري . ويضحك من كل قلبه لوحده ويبتسم
ويحيي الاخرين
عن بعد
, ويردد
: مابيها..فـَرِدْ
فـد
شي..لا والله ما بيها فرِد فدْ
شي!!!صح...يو لا؟!
ولما جاء يوم الافتتاح ورفعوا
الستارة عن الصورة, تعرّف
الجميع على صورة
العريف الأحتياط عبد الرضا, وبدأ الغمز واللمز والطرائف. فأستدعاني
النائب ضابط عبدالرحمن وعاتبني وقال: هاي شنو ..إشجاب
عبدالرضا للقعقاع؟!!فقلت: سيدي ..الحقيقة أني
ما أعرف القعقاع ولا شايفه
أصــلاً..يعني ..حتى لو يلاكَيني بالشارع صدر بصدر ما
أعرفه!!!فضحك عبدالرحمن وقال: هسه إشلون وياك..انت..ما
إتكَلّي؟!! روح عمي روح..جا شسويلك بعد. وفهمت من أن
الأجازة بدت بعيدة المنال.
أما الصورة الثانية لصدام
فقد رسمتها في
معسكر الزبير عندما دعيت الى غرفة التوجيه
السياسي, المبنية من الطين والحصران ,في المعسكر ووجدت
رساماً شابا ًبالزي العسكري قد دُعي من البصرة أو
من الوحدات العسكرية القريبة. ً جلسنا مساء ذلك اليوم
خارج الغرفة. ولاحظت بأن الرسام الضيف يحمل فرشاً
خاصة, وكان يبدو محترفاً متحمساً.
ففكرت في نفسي: لقد وجدوا ضالتهم فلم يحتاجوني بعد الآن.
ولكن ذلك لم يحصل , فقد طلب نائب ضابط عبدالرحمن منا
ان نرسم صورتين للسيد الرئيس!! وقد جلب احد الجنود بروجكتر
مكبراً للصور ولوحتين بقياس
4 أقدام في 6 اقدام تقريباً.
واختار كل منا صورة
للرئيس صادق عليها عبدالرحمن. وبدأنا
بالعمل ذلك المساء. وانتهت صورتي بحوالي نصف ساعة
رسمتها بخطوط اللون القهوائى والاسود كما أرسم
الكاريكاتير, وبقي الرسام الضيف يعمل بصورته لمدة ثلاثة ايام!!
صرف معظم هذا الوقت على البدلة العسكرية ونياشين الرئيس
القائد!! وفاز الضيف بالجائزة
طبعاً.
ولو
ان اصدقائي اسماعيل حسون وعصام محمد على قالوا: تريد الصدك
لوحتك لابأس بيها, بس لوحة القعقاع ماكو منها!!! وضحكنا
ومشينا الى قصعة العشاء عند طباخنا ماجد الكربلائي
واحتفلنا عنده بنصري الثاني
برفض الصورة ودوام إفلاسي!!
س: هل انظممت الى حزب
البعث أثناء وجودك في الجيش؟
ج- كان من النادر ان ترى
عسكرياً او موظفاً غير منظماً الى حزب البعث, وقاومت انا
طوال وجودي بدبلوماسية عالية لتحاشي ذلك, واعتقد بأني نجحت
نوعما. وهكذا فعل الكثيرون. إذ ليس من المعقول
ان يكون ثمانون
بالمئة من جنود ومراتب المعسكر كانوا برتبة
مؤيد لمدة تزيد على الخمس والسبع سنوات بدون ترقية!! ولو
كانوا حزبيين حقيقيين لتقدّموا في درجات الحزب ونالوا ما
ناله الاخرون قبلهم. ولكن القضية برمتها في العراق
أنذاك هي " كفيـــان شر!!!"
ويعرفها حتى الرفاق أنفسهم.
كان رفاق التنظيم البعثي في المعسكر من
الخريجين الاحتياط. أحدهم كان مهندساً في معمل
المطاط في الديوانية -لايحضرني إسمه, والاخرأصبح صديقاً لي
إسمه إعـــلان, وكان من قضاء الرميثة وخريج أحد المعاهد
المهنية. كان مهندس
المطاط يلحُّ عليّ بالانظمام الى الحزب لكي
أتوّج حياتي بهذا الانجاز!!, وكان يقول لي أن الوطن بحاجة
الى المثقفين
والفنانين و..و.. - واخذ يردد نفس الأسطوانة المشروخة.