اهلا وسهلا بكم في موقع ناصريه . نت

سنوات ثورية شجاعة ..حوار مع عدنان الشاطي وثوار جنوب العراق
الحلقة الاولى


حوار: رحيـــم  الغالبي
raheemalghalbi@yahoo.com
2008 / شباط / 3


حوار صريح لاول مرة مع الفنان المغترب عدنان الشاطي صاحب موقع ناصرية نت الثقافي (العلماني الواسع الشهرة ). منذ عام  1976 غادر العراق الى ايطاليا وهنا لاول مرة يبوح بسيرته المليئة بالاحداث والمفاجئات نراها عند القليل ممن ساروا في طريق الحرية والمجد بروح جنوبيه ثورية نحو الشمس . كان لي معه هذا الحوار بعد ان استغرق -بصورة متقطعة-اكثر من شهرين وبحرقة وألم عراقي نبيل اخذ يتكلم بدون تردد بعد ان ازال غبار السنين عن لوعة حياته الماضيه.

هذا هو الجزء الاول من سفر مسيرته المجيدة

س :ابو زكي انت غني عن التعريف لكن لابد للجيل الجديد ان تفرش سنواتك على بساط الذكريات خطوة خطوة من اين تبدأ حيث اقف امام ايامك مرتبكا بصراحة؟

ج- انا عندي تخطيطات لقصة هروبي من العراق واحاديث اخرى..ساعمل معرضا للرسم حال الانتهاء منها بعد سنة تقريبا. وما سأذكره في هذا الحوار هو نتاج تجربتي الشخصية ومعايشتي  للأحداث خلال الثلاث عقود الماضية.  وللاخوة والأخوات الذين عاصروا تلك الاحداث معي أو أقرب مني لها أن يضيفوا من ملاحظاتهم وآراءهم لتسجيل تلك الحقبة الزمنية الطويلة من حياتنا بواقعية وأمانة.

وصلت الى ايطاليا عام 1976. لم اكن متزوجاً وعندي شهادة تخرج مترجمة صادرة من اعدادية صناعة البصرة - قسم الميكانيك, بطاقة سفر و180 دولاراً فقط.  وانهيت ضعف الخدمة العسكرية المقررة واصبحت ثلاث سنوات بدلاً من سنة ونصف. قضيت بدايتها في مركز تدريب العمارة مع الاصدقاء حميد فتحي ومحمد يونس, قرب الاصدقاء وزملاء الدراسة في مدينة العمارة الاخوة عصام نعيمة وغالب عزيز و جمعة فليح وخليل ابراهيم وعماد الدفاعي - وهم من خريجي أعدادية صناعة البصرة أيضا"- ثم نقلنا الى القوة البحرية في البصرة. وكانت معظم مهامي العسكرية تتعلق بلعب كرة قدم  أوأعمل خطاطا أو رساما بعض الأحيان. دعينا خلالها عدة مرات الى بغداد للانظمام الى الجيش العقائدي الجديد!!وآخر مرة التقي بجموع الخريجين عبد الجبار شنشل نفسه. ولم تلق دعوته الكثير من الاستجابة. ما عدا بعض المهندسين وزميل آخر خريج التربية الرياضية . ولكني رفضت وكذلك معظم اصدقائي, ومنهم المرحوم حميد فتحي علاوي وبقية الاصدقاء والزملاء. والسبب ببساطة ان جيلي قد سمع أو شهد كوارث شباط والحرس والقومي والتآمر على السلطة . ولم نثق بثورة البعث البيضاء هذه مهما كان بياضها ناصعاً. لأنها جاءت بقوة الدبابات واستولت على الأذاعة والدفاع , كما فعلوا في انقلابهم عام 1963. كنا نتحدث على الدوام عن هذا التأريخ الزائف. وكان ينتاب الجميع من حولي شعور بعدم الارتياح والريبة من هذه العناصرالجالسة أمامنا ,في نادي الضباط القريب من وزارة الدفاع , ببزاتها العسكرية ونجومها وشاراتها الذهبية اللامعة, بعد تأميم نفط العراق!


السنة النهائية لقسم الميكانيك - إعدادية صناعة البصرة -عدنان الشاطي - ثالث الجالسين  من اليمين

س: متى تسرحت من الجيش؟

ج- توقفت حرب اكتوبر 1973ونحن في طريقنا الى هضبة الجولان السورية فتوقفنا في بغداد. وبدلا" من ان نرجع الى البصرة ارسلونا الى معمل عجلات متوسط في ابي غريب , الذي كان قريباً جداً من السجن السئ الصيت وخلفنا مطار بغداد الدولي. وكنا نراقب الطائرات على الدوام اثناء الاستعاد الصباحي والمسائي!! ونمني النفس بالاقلاع يوماً ما! إضافة الى حب السفر ودراسة الفن في إيطاليا, وكان يخالجنا شعور كبير بأننا جميعاً وقعنا في فخ سياسة الدولة وشعور بعدم الاستقرار السياسي. وان شعارت الثورة البيضاء التي قاد إنقلابها حزب البعث كانت غير مقنعة, خصوصا بعد أحداث الحرس القومي في الناصريه والجنوب عموما. رغم كل هذا لم تكن الرغبة بالسفر جدية الا بعد انهيار الجبهة الوطنية, وتدريب آلاف الجنود في معسكرات ابي غريب وارسالهم لحرب الاكراد في شمال العراق الحبيب. وكنا نراقب جحافل الوحدات العسكرية بين فترة واخرى بدباباتها ومطابخها وسيارات الزيل الروسية المحملة بالجنود ببدلاتهم الحربية وعتادهم الكامل متوجهة الى اربيل او السليمانية وهي تمر من امام وحدتنا العسكرية في ابي غريب. وكنا نشعر بأن الجيش مقبل على أو يخوض حربا" غير معلنة.

كانت مهمة وحدتنا الميكانيكية تصليح السيارات العسكرية بأنواعها وهي مستقرة نوعما, ولذلك إضافة الى الفنيين البارعين, نرى الكثير من منتسبي المعسكر من أولاد العوائل المتنفذة او من الذين لهم علاقات بضباط الجيش او اولاد التجار أو من اولاد الوجوه الاجتماعية المعروفة في بغداد وغيرها, كوصول شاب محبوب جدا ومرح وهو محمد ابن اخ الممثل رضا الشاطي - صاحب عبوسي في"تحت موس الحلاق", وعمل حلاقاً في المعسكر! وكان المرحوم حميد فتحي يحلم معي و يتأمل تحليق الطائرات  المتجهة الى أوروبا ومناطق أخرى معي  وهو  ويردد البيت المشهور " يا أهل يثرب ِلامقــام لكم بها....".  ويريد بذلك إستعداده للسفر بعد التسريح من الجيش.  كانت هذه فكرتي أيضاً, ولكن كيف ونحن مفلسون على الدوام!


صورة الاصدقاء  في رحلة في شط العرب - فوق - حميد فتحي -سعد عباس حمادي - غالب عزيز- سلام عبود- منذر ...- ومحمد يونس

صورة تذكارية
في حدائق الاندلس  في البصرة من اليسار عدنان الشاطي- سعد عباس حمادي -عادل.... - (--)  - ومحمد يونس

وحال تسريحي من الجيش في عاد 1974, وانتقلت عائلتي من الناصرية الى الى بيت في إسكان غربي بغداد. والتحق حميد بمعمل نسيج الكاظمية, وارسل في دورة تدريبية الى تورينو - ايطاليا لمدة ستة أشهر. وعينت كملاحظ فني في الشركة العامة للسيارات في الدورة وكان العمال معي من اروع الشباب وكانت لهم آمال وطنية ومهنية كبيرة. بقيت في ورشة الدورة لمدة سنة لم أوفر من راتبي شيئا" لقلته. فعملت ساتقا" لشاحنة كبيرة - تريلر- تنقل الحنطة بين بغداد والصويرة والموصل لسنة اخرى وفرت فيها حوالي 400 دولارا".

التقيت بالمرحوم حميد فتحي الذي كان قد عاد من ايطاليا بعد قضاء فترة تدريبية ضمن وفد معمل النسيج في مدينة الكاظمية  وعين ملاحظا" في المعمل. وعزمني على عشاء باجة ممتاز في ساحة قريبة من سوق الكاظمية, وسهرنا على سطح احد الفنادق, وقررنا السفر معا. وفي اليوم التالي ترجمنا وثائقنا وأبدلنا العملة العراقية  الى دولارات في بنك الرافدين في شارع الرشيد. وبعد اسبوع تقريبا جلسنا معا قرب النافذة ونظرنا تحتنا الى المعسكر الذي كنا به ومخازن العتاد, وبصقنا معا" على معسكرات التدريب التي كانت تهيئ الجنود لقتال اخوتهم الاكراد في كردستان.

س: كيف ومتى وصلت الى إيطـــاليا؟

وصلنا الى مطار روما بنفس اليوم في أب 1976 , واخذنا القطار الى مدينة "المشاحيف!" - فينيسيا مباشرة. وبقيت بها لمدة ثلاثة اشهر. وكنت مبهورا" بجمالها وطعم حريتها, وكأني في حلم. وبعد حوالي اسبوع من وصولنا سافرحميد الى مدينة فلورنسا لزيارة بعض الاصدقاء هناك. وبقيت وحدي والتقيت بصديق قديم وهو المرحوم محمد سبوس الذي كان يسكن في فينيسيا. لأنه كان أشطر منا فقد حصل على فيزة دراسية بعد تخرجه من الاعدادية مباشرة دون أداء خدمة العلم - المنازع عليه الآن!- ووصل فينيسيا ولم يفارقها حتى توفي في التسعينات بسبب أمراض الكليتين وتردي حالته الصحية.


عدنان الشاطي على الجسر قرب العمل في فينيسيا-أكتوبر 1976

زوارق الاوتوبوس (باصات فينيسيا) في فينيسيا

سكنت خلال الاسابيع الاربعة الاولى على البحر مع الهبيز!!لكي لا اصرف دولاراتي القليلة, وكان الجو جميلا في شهر أب وايلول. تعرفت على بعض الشباب من ألمانيا وبريطانيا واستراليا وفلسطيني وزوجته الالمانية. وكنا حوالي سبعة, خمسة رجال وأمرأتين وكيتار!!
كان البريطاني شابا" خفيف الدم - على عكس ما كنت اقرأه عنهم ! والبقية طيبين وكثيري المزاح. مقرّنا كان في نهاية بلاج جزيرة "ليدو" , وهي الجزيزة الوحيدة التي تصلها السيارات التابعة لقصورالاغنياء القليلة الواقعة في الطرف الآخر من الجزيرة. ننام على الرمل الدافئ ليلاً ونترك البلاج عند شروق الشمس. نستقل الزورق الكبير الذ ي يعمل كباص المدينة الاعتيادية ويسمونه الأوتوبوس. نذهب الى ساحة سان ماركو الرئيسية نجلس ونتحدث مع السواح ونستمع الى صخب غناءهم .  وفي المساء نجلس قرب الفرق السمفونية في مقاهي الساحة, ونستمع الى نماذج رائعة للموسيقى العالمية.  وفي بعض الاحيان نتسكع في االشواع لنكتشف أماكن وجزر جديدة , أونزوركاليريات الرسم والتحفيات وقصور المدينة الأثرية التي كان يملكها تجار المدينة أيام إزدهارها الأقتصادي. ونتوقف أحيانا عند الكنائس وقنوات المدينة المائة وسبعة عشر -117- وجسورها الأربعمائة وتسعة-409-. ونرجع كلنا عند الغروب الى  نفس المكان نشعل النار ونجلس حولها على الرمل الدافئ بفعل حرارة شمس النهار, ونأكل الجبن والخبز وبعض الفواكه التي نجلبها معنا.

بعد ذلك يباشر الانكليزي جون بالعزف على كيتاره يبدأها بأغاني البيتلز - الخنافس!! وعادة ما يبدأ الحفلة بأغنيتي المفضلة " Imagine-تصوّر"! وطبعا" انا الخارج من الضيم العراقي العسكري هو أكثر المستفيدين من هذا التصوّر!! وتنبهت بأنه ليس من العدل ان تتساوى معاناتهم مع معاناة العراقي - ولو في ذلك الوقت. وحاولت قدر الأمكان ان أغني معهم اول ليلة لكن الشجاعة خانتني !!لأن كلمات الاغنية للمرحوم جون لينون فيها تمرد  كبير على الواقع التعيس عندنا, لاني كنت مؤمن بأن جون لينون كان يقصدنا بأشعاره. ومع علمي بأن الاعنية هي مجرد أماني وأحلام..إلا أن هذه الأماني والأحلام, بالنسبة لي, هي بالتأكيد في قائمة الممنوعات الدينية والسياسية!! ولا يسمح بها الحزب القائد, أو الرئيس  أو السيّد دام ظله الوارف لأنها خارج نطاق سيطرته الدينية أو السياسية !!!(كلمات الاغنية اسفل الصفحة)

س: هل حصلت على عمل في فينيسيا؟

ج- حصلت على عمل في مطعم في جزيرة ً "سالوته" مقابل ساحة سان ماركو المشهورة, وقدمت لي إدارة المطعم غرفة انتقلت اليها وودعت اصدقائي الحالمين على البلاج, وتخلصت من محنة أحلامي الممنوعة!! وبسبب معرفتي لللانكليزية والالمانية حينها إحتضنتني تحت جناحيها طباخة المطعم الماهرة السيدة إلينا ,التي كانت في الستين من عمرها وتجيد ثلاث لغات, وعلمتني الطبخ بعد شهر من غسل الصحون! وكانت تعتقد بأني سأكون طباخا ماهراً لو تابعت قائمة تعليماتها الطويلة! وكنا نضحك كثيراً وهي تحاول تعليمي الادوات في المطبخ وأسماءها الايطالية.  لقد  كانت طيبة معي وكانت تقدمني الى زوارها وكأني تلميذها الشاطر. وكانت تأخذني الى السوق معها لنشتري بعض الخضار اوالسمك الطازج.  وكانت  تمشي كالعريف بخطواته الثابتة ونظراته الزائغة, وحذرتني مرة بأن لا أنسى أبداً أن أسير على يسارها!  ولكني نسيت بعد أسبوع وسحبتني بقوة وطوّحت بي الى يسارها في وسط السوق دون أن تلتفت !  وآكتشفت حينها بأن هذه السنيورة كانت أقوى من عريف خشّــان في مركز تدريب العمارة, الذي حاول مرة أن يمسكني ولم يفلح!!
 بقيت في المطعم حتى بعد انتهاء موسم السياحة رسمياً. وكنت كأحد افراد العائلة أنام في غرفتي وأقرأ وأخرج الى الساحات أتمشى وأرسم في النهار وارجع مساءً لنأكل معاً وجبتي الغداء والعشاء.


على  شاطئ ساحة سان ماركو , وترى جزيرة سان جورج عن بُعد - فينيسيا

عدنان  الشاطي مع الطباخة الماهرة السنيوره إلينــا

وفي نهاية نوفمبر, قررت السفر الى يوغسلافيا لأجل الحصول على فيزة دخول الى إيطاليا لشهر أخر لكي يتسنى لي الالتحاق بأكاديمية الفنون الجميلة, وهذا كان الغرض الاساسي من الرحلة. فودّعت أصحابي في المطعم وأخذت القطار وحدي متوجها الى يوغسلافيا. ولا يحتاج العراقيون تأشيرات الفيزة في حينها بسبب العلاقة الطيبة مع الحكومة العراقية أنذاك.

تعرفت على ثلاثة عراقيين في القطار, احدهم مدرس والاخر مهندس -على الارجح- من اهالي بعقوبة لاتحضرني أسماءهم- في اجازة, والثالث عراقي في طريقه الى بلغراد. كان الشابان وسيمين في غاية الطيبة والأدب لكنهما كانا في غاية الغضب والقلق. وبعد الاستفسار عرفنا بأن عريف شرطة القطار اليوغسلافية قد اعتدى عليهم بالركل اثناء فحص جوازاتهم قبل تجاوز الحدود الايطالية, فألغى هؤلاء الشباب رحلتهم الى إيطاليا وقرروا تأديب العريف وهددوه بالقتل او رفع شكوى ضده في السفارة العراقية في بلغراد. وكان من الواضح أن العريف قد فهم التهديد وتأهب لهم. وعند المرور في تلك المدينة اشار الاخ المدرس الى العريف وهو يتمشى على رصيف القطار مع ابنته. وقد عرفهم.. ولكنه كان قد نشر فصيلا من المسلحين حول عربتنا وخصوصاً في الجانب الاخر من القطار وامام شباكنا, وكانت اسلحة الكلاشنكوف موجهة ضدنا . وبدا مفتش القطار وفاحص الجوازات ومعه مسلحين بطباع خشنة ونظرات فاحصة مريبة وكأنهم على علم بما حصل صباح ذلك اليوم مع العراقيين. ولكنهم فتشونا وفحصوا جوازاتنا ولم يحدث شئ هذه المرة ومررنا بسلام.

و تضامنا مع اخوتنا العراقيين وقررنا الذهاب معهم الى السفارة العراقية.  وصلنا بلغراد العاصمة بعد يوم ونصف من السفروالوقوف في محطات كثيرة. وبدت بلغراد وكأنها من مدن العالم الثالث. وفي مركز المدينة شاهدت عربات وكشكات بيع اللفات وساندويجات والهوت دوك وكأني في علاوي الحلة!! قضينا الليلة في فندق قريب ثم ذهبنا مباشرة الى السفارة العراقية وكلنا أمل ان يستجيب موظفو السفارة لمظلومية مواطن عراقي في بلد يعتبر من اصدقاء العراق آنذاك, ولم يحتج العراقيون تأشيرة دخول الى بلاد العم تيتو. لقد طلبنا رؤية السفير أو القنصل, ولكن بعد ساعات من الانتظار خرج احد موظفي السفارة يعتذر لنا عن عدم تدخله بمثل هذه الامور!!! وعرفنا ايضاً من بعض الطلاب العراقيين القدامى في بلغراد بأن السفارة العراقية  ميؤوس منها! وماهي الا وكر للمخابرات وعملهم الحقيقي هو ملاحقة الوطنيين من الطلبة العراقيين والعمل في تبديل العملات واقامة الحفلات!! فقلت في نفسي- سمعة طيّبة أخرى!..أويلي عليك يالوطن المنهوب!!

كانت هذه الحادثة خيبة الأمل الاولى في الخارج ولحقتها خيبات أخرى, ليس بالنسبة لي  فحسب بل لمواطنين عراقيين  كثيرين . وجعلتني أشعر بأني وحيدا تماما" في الخارج وبعيدا" عن الاهل والاحبة والاصدقاء. وان الاعتماد على سفارات بلادي هو امر ميؤوس منه وازداد الامر سوءا بعد ردود فعل انهيار الجبهة الوطنية في الداخل. وكان الانظمام الى حزب البعث آنذاك من الوسائل بين تنظيماتهم الخفية لضمان الدراسة في الخارج. ولو لم تكن هكذا لما لزم الأمر الى ترك العراق. وفكّرت في كلام حازم صيــاح يوماً بأن الأنضمام الى الكلية العسكرية بعد الأنظمام الى حزب البعث هو اختصار للطريق, ووسيلة للعيش بنعيم!!  اعتقد بأنه قال ذلك دون علمه  بماهية عمل الملحقات العسكرية وطواقم  السفارات العراقية في الخارج.  ففي نظري طواقم السفارات وملحقياتها المتنوعة هي الوسيلة الناجعة والسريعة للثراء والعمل دون رقيب أو مسؤوليات صعبة.  وعرفت أن صديقي العزيز حازم سيبقى عند باب  الحزب بجوار الكيشوان, ومهما حمل حــازم من وطنية وإحترام وغيرة على شعبه المضطهد , فإن واجبه الحقيقي يعمل دائما على إدامة تسلّط الحزب الحاكم على مقدّرات الشعب ومصادر البلاد الطبيعية . وياليت حازم إكتشف بأن حزبه قد تحوّل الى مافيا مؤسساتية رسمية , ولو بعد خراب البصرة وبغداد والموصل والرمادي وديالى!

تركنا الاخوة من بعقوبة في بلغراد يفكرون بالعودة الى العراق ولكنهم لم يقتنعوا بترك العريف بعد! ودّعتهم وتمنيت لهم طيب السفر الى العراق وان لايجازفوا بالرجوع الى العريف , ويوغسلافيا لا تختلف عن أية دولة بوليسية مثل العراق. ورجعت في اليوم التالي الى القطار عائدا الى ايطاليا, وأخذت فيزة دخول ايطاليا مرة أخرى من نقطة الحدود. ومعي حقيبتي العراقية الصغيرة التي اشتريتها من ساحة الرصافي ببغداد, وفيها قاموسا صغيرا وقميصا وبلوز من لنكات الباب الشرقي الذي-عليه اعتماد كبير من البرد!- كما قال لي البائع. هذا كل ما خرجت به من العراق في غيبتى الأولى او الصغرى! وكانت خطتي أن اسافر خفيفا لكي استطيع ان اقضي الليل اينما أشاء تحسبا" للظروف, لأن كل ما بقي عندي من نقود حوالي 80 دولارا" فقط , إقترض منها 40 دولارا" صديقي المرحوم محمد سبوس ,الذي وصل الى فينيسيا قبلنا بثلاث سنوات
.


عدنان الشاطي قرب دائرة البريد في مركز مدينة فلورنسا

مع المهندس المعماري فؤاد قبطان ( لبنــان) 1977

تعرفت على طلاب جدد اثناء العودة في طريقهم الى مدينة بيروجيا القريبة من روما ومنهم الاخ د.عباس شبيب الحلي.- درس اللغة الالمانية ولازال في فلورنسا, ويعمل دليل سياحي في مقاطعة توسكانا الايطالية. أما انا فنزلت في مدينة فلورنسا, مع عراقيين واجانب..وعرب , معظمهم يدرسون الفن او الهندسة المعمارية. التحقت بالاصدقاء المرحوم حميد فتحي والمرحوم لطيف محمد وكلاهما قد توفي مؤخرا في مدينة فلورنسا ودفنا فيها جنباً الى جنب.والتقيت بالرسام المرحوم محمد جاسم الأعسم والمعماري كاك محمد رؤوف والمرحوم الرسام دلشاد بيردواد وغيرهم الكثيرمن العراقيين الرائعين. ومرة كنت أتمشى مع المرحوم حميد فتحي امام دائرة البريد والاتصالات في مركز مدينة فلورنسا وعثرنا على صديق قديم وزميلنا في متوسطة الناصريه قد وصل توا" من الناصريه ولوحده!! وهو محمود جاسم شدّاد..فصاح به حميد: هاي وين ..ابو عكال!! فالتفت محمود صوبنا وقال" هاي أني وين لو انتو وين..صارلي يومين أدوّر عليكم!! فقال حميد: لك هاي وين اتدور علينه..ليش إحنه قابل نشتغل بسوق الغزل؟!!! وجلسنا معه لساعات نتحدث عن الناصريه والعراق, وذهبنا الى بيت حميد ذلك المساء.

س: كيف تعلمت اللغة الأيطالية وهل كانت صعبة التعــلّم؟

ج _ تعلمت اللغة الايطالية لوحدي بعد شراء كتب وقواميس,و بعد كورس واحد لمدة اسبوع من الصديق المعماري نبيه أمين في بيت الكومونه - مقر الشيوعيين في ضواحي فلورنسا. ذهبت الى التقديم مع العراقيين وطلاب أخرين للتسجيل فى اكاديمية الفنون الجميلة في روما وملأت الاوراق اللازمة ولم يوافق على طلبي..وفوجئت بأن العراقيين عليهم ان يفتحوا ملفاً في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في بغداد!!حسب تعليمات السفارة للدولة الايطالية وطبعا لا استطيع الرجوع الى بغداد. ولم اكن الوحيد الذي لم يوفق في ذلك بل كان الكثير ممن لا علاقة لهم بالحزب القائد كصديقي العزيز البغدادي رشيد صالح - ويسكن في الولايات المتحدة منذ الثمانينات.

كان همّي الأول هو الانظمام الى الاكاديمية.  واعتمدت في ذلك على نفسي وفي كل شي تقريبا. بدأتُ محاولات اخرى في السنة القادمة وذهبت الى السفارة العراقية مرتين ,وطلب موظفو السفارة مني ان اعطيهم جوازسفري  العراقي من تحت زجاجة الشباك_السوداء, وانا اعرف بانهم يرونني ولكني لا أراهم ولا أثق بهم. ورفضت ان اعطيهم الجواز, ولكني فتحت صفحة الاسم والصورة فقط للتعريف بهويتي, وكل ما اردت ان يعطوني تصديق مؤقت يساعدني بالتسجيل ولكي افتح ملف في بغداد ورفضت ان اسلمهم جواز سفري حتى بعد الحاح الموظف - او رجل الامن. وشتمني وشتمته وتركت روما عائدا الى فلورنسا.

س: هــل التحقت بأكاديمية الفنون الجميــلة في مدينة فلورنسا؟

فكرت بطرق اخرى للدراسة في الاكاديمية منها ارسال وثائق بيد طلاب عراقيين الى بغداد لإيصالها الى إخوتي هناك. كلها لم تنجح. وفوجئت ايضا بأن الفلسطينيين وعربا آخرين مساعدات عينية ومعنوية , ومنهم يتقاضون رواتبا من السفارة العراقية مع البعثيين العراقيين. اما العراقيين الغير بعثيين مثلي - فهم يعملون طوال اليوم لسد مصاريف الأكل والنوم. وكنت قد اجّرت سريراً في فندق صغير قرب سوق سان لورنسو في قلب المدينة. ووجدت عملا" في احدى عربات السوق كبائع للمصنوعات الحريرية ثم الجلدية التي تشتهر بها المدينة. وفي الليل بدأت التدريب على الكاريكاتير و البورتريت. وكنت اجلس مع الرسامين العراقيين المبدعين الذين كانوا هُم أساتذتي الفعليين في ساحة متحف الأوفيتسي والبونته فكيو -الجسر القديم وساحة مايكل أنجلو المشرفة على المدينة والنهر, كالراحل دلشاد وسردار وكاك حسن ومحمد الاعسم  وغازي الكناني وعلي جواد ويوسف وشعيا الخطـاط ولطيف خلف ومن بعدهم  موسى الخميسي ورسمي الخفاجي وغيرهم الكثيربالاضافة الى الرسامين الايطاليين. وتعلمت من كل هؤلاء كيف أرى الأشياء لكي أرسمها, وليس العكس. وهذا الأكتشاف كان نقطة تحول إيجابية في مفاهيمي للفن التشكيلي. وسجّلتُ في كورسات دروس في تاريخ الفن هنا وهناك ودروس في الموسيقى وعزف الكيتار الكلاسيكي وتعلمت الكثير, لدرجة ان مسألة عدم الالتحاق باكاديمية الفنون لجميلة لم تعد تهمني. واقتنعت بأن مهمة تعلم الفن والرسم عموماً قد تحققت بدون مشاكل وبدون انضمام الى الحرس القومي الجديد!


الراحل الرسام محمد الأعسم مع الأخ المعماري  كريم درويش
- فلورنسا
- إيطاليا


ألتقطتُ هذه الصورة لمجموعة الطلبة العراقيين والعرب في بيروجيا
 بعد ليلة حافلة بموسيقى الجاز في وسط المدينة -1978


عدنان الشاطي قرب المسرح الروماني في روما -
 بعد إحدى زياراتي الفاشلة الى السفارة العراقية

عدنان الشاطي (جلوسا  الاول من البسار)  مع فريق كرة القدم العراقي - فلورنسا
التقطت الصورة في إحدى مباريات الطلبة في بيروجيا -1978

تكالبت علينا التنظيمات البعثية في فلورنسا بعد استلام صدام رئاسة الدولة عام 1979. وكثرت العناصر المخابراتية التي نفاجأ بها في المدينة بين الحين والآخر. ومنهم محاسب متقاعد في الستينات من عمره وآخر اسمه محمد البحـّار من الناصريه, الذي ادّعى بأنه كان يعمل في مناجم الذهب في موزنبيق!! التقيناه في مطعم الطلبة "المنسى Mensa" وكان يأكل من فضلات الطلاب على حزام الصحون المستعملة, ورآه حميد فتحي ودعاه للجلوس واشترى له الغداء واخذته معي الى شقتي, وكان مريضا بالبواسير واخذناه الى المستشفي وعولج فيها وسافر الى أفريقيا بعد اعطاءه مصرف السفر. ولكنه فاجأني مرة أخرى يتمشى على كورنيش الناصرية - وليس كورنيش موزنبيق!!! كان ذلك نهاية عام 1978 وكان في جيبه آلة تسجيل صغيرة جداً وطلبت منه ان يطفئها قبل الحديث. وعزمني الى شقته الواقعة في  مجمّع سكني على طريق سوق الشيوخ في الجانب الآخر من حي الشعلة ووجدت ملابس بحرية عراقية برتبة ملازم معلقة في الشقة وصور له بالزي الابيض والازرق البحري!! فآستأذنت بالخروج ولم أره بعد ذلك.

س: هل سافرت خارج ايطاليا؟

ج - ذهبت في 1978 الى الولايات المتحدة في زيارة ولكني لم أبقَ  طويلا..وكان عمري 25 عاماً. ورجعت الى العراق من نيويورك..فقد هدّني الحنين والشوق الى أهلي في الناصرية والاهوار. وهذا ما حصل فرجعت مباشرة الى الناصرية وذهبت الى الأهوار في بيت خالي .


عدنان الشاطي - في زيارتي الأولى للولايات المتحدة - بوسطن 1978

أينما ذهبتُ هذه الصورة وغيرها الكثير من ذكريات الصبا في الأهوار لا تفارقني!

لقد كان حلمي ان ابني بيتا في الاهوار وفيه مرسما ومضيفاً لأمسيات السمر مع الأهل والاصحاب. وكنت أحلم كثيرا في اصلاح الاهوار ومد الطرق فيها بحيث لاتتعارض مع مبازل الشلب -الرز. وممرات خاصة لزوارق السياح..وتحديد سرعتها لكي لاتؤذي الزرع ولا تزعج طيور الماء والخضيري. وان يكون عدد زيارات السياح الى مناطقنا قليلة نوعما حتى لاتتأثر البيئة بنفط محركات الزوارق. وان تبنى فنادق متطورة وفيها كهرباء واضواء خافته كفوانيسنا لكي يتمكنوا من رؤية نجوم سماء العراق الزرقاء في الليل. وعلى السلطات ان لاتضايق السياح, وعليهم ان يتصرفوا بأدب جمّ مع الاجانب لكي يعطوا نظرة حضارية عنا لدى باقي الشعوب, وتبنى متاحف راقية وفيها ملحقات للهدايا والكتب والكالريات..ووووو.......أضغاث أحـــلا