قبل ان يأكلنا ماردُ العصر !

أ.د. سيّار الجَميل
صراع اليوم ليس بين شرق وغرب ، بل ان اللعبة تجري
بين سكان عالمنا في الجنوب واستحالة حياتهم من دون
مارد الشمال . علينا ان لا نكابر ، ذلك ان عالم
الجنوب ليس لديه القدرة على ان يبقى 24 ساعة واقفا
على رجليه من دون منتجات عالم الشمال .. هذا الذي
يجثم على مصادر الطاقة ، ويكرر ثروات الارض ،
ويهيمن على علاقات الانتاج باختراق الشركات ورؤوس
الاموال ، مع ثورة المعلومات ، والاتصالات ،
وتكنولوجيا الاعلام في عموم الارض .. هل تنفع معه
ما تبقى لدينا من فضلات ايديولوجية ، ومن
استعراضات فارغة ، ومن شعارات طنانة ، ومن مأثورات
عاطفية تملؤها التناقضات ؟
اي " فكر " هذا الذي باستطاعته ان يقاوم هذا
المارد الكاسح الذي يبدو انه قابض على انفاس
العالم كله ، وهو يلاحق الجبابرة على ممتلكات
الفقراء ! اية ادوار ، واية مواقف ، يمكننا
اتخاذها من اجل ان يلتفت الينا لنعرف كيف نخاطبه
ونطالبه ؟ اية حقوق مضاعة على مدى مائة سنة يمكنها
ان تعود الى قبضتنا ونحن لا ندري كيفية التعامل
معه ؟ اية اهداف ، واية امنيات ، واية احلام كتلك
التي آمنا بها وطالبنا بتحقيقها ، يمكنها ان تكون
اليوم بعد ان خربنّا طرقنا ، وشتتنا جهودنا ،
وقتلنا مشروعاتنا ، واحرقنا زمننا ، وضيعنا فرصنا
، وعطلنا قدراتنا ، وجمدنا عقولنا ، وذبحنا شبابنا
، وفرّقنا شملنا واصبحنا لا نفهم الا لغة الردح
والشتائم والتخوين والكراهية وتراكمات الاحقاد
والتكفير والموت ؟
من علم ملايين الناس كل هذه الاقانيم السوداء ؟ من
جعلهم ينشدّون دوما الى الوراء من دون استقامة
الطريق ؟ من جعلهم يلوكون النصوص ، صباح مساء ،
وهم لا يدركون كم هو الزمن ثمين في مقياس الشعوب ؟
من علمهم الكسل ، والتواكل ، والاستسلام للضياع ؟
من جعلهم لا يعرفون الا المثالب والسوالب في
الحياة ؟ من قيد افكارهم وسجنها في الغرف المظلمة
؟ من جعل تصوراتهم لا تبتعد اكثر من الاكل والنوم
وتلبية حاجات نداء الطبيعة ؟
ان زمننا هذا قد خلق للاذكياء ، والمبدعين ،
والخلاقين ، والوعاة ، والحرفيين ، والمكتشفين ..
ولا مكان للاغبياء ، والكسالى ، والمقلدين ،
والمرددين ، والمتكلسين ، والنائمين ، والهائمين ،
والخياليين .. ان مارد العصر لا يهمه الا كيف
يحافظ على قوته ، وتكنولوجيته ، وتطور حضارته ،
ونظم معلوماته ، ومصالح اقتصاداته .. الخ ان
المارد المعاصر يهمه كيف يستحوذ على الايدي
العاملة الرخيصة ، ويهمّه كيف يسّوق بضاعته
الكمالية ، واسلحته الفتاكة ، وسلعه الجديدة ..
انه بقدر ما يهمه الانتاج وتحسينه يهمه ملايين
المستهلكين ، ونحن من اكبر المستهلكين ليس
لمنتجاته فقط ، بل لكل الزمن والطاقة والعقل
والمال .
مئة سنة مرت ولم تحقق الايديولوجيات اهدافها ..
وعليه ، فان النخب العليا في اي مجتمع ، مطالبة
بالضغط على الحكومات ، من اجل تغيير المناهج
السياسية والتربوية والاقتصادية .. وكل ما من شأنه
، ان يأخذ بالتحولات من دون اي طفرة وراثية ، ومن
دون اي قفزة نوعية ، ومن دون حرق للمراحل ..
المطلوب تغيير جذري في النهج وانفتاح على العصر ..
وان تتضّح مقاصدنا ، واهدافنا بعيدا عن اللف
والدوران ، وعن اللعب بالتناقضات ، وعن ثنائية
التراث والمعاصرة وعن ازدواجية المعايير .. علينا
ان نسلك طريق التفكير المدني وفرض القانون ..
والعمل المنتج . وان نحافظ علي الحدود الدنيا من
العلاقات الادبية التي يحترم فيها احدنا الاخر علي
الاقل ، وهنا ، يستوجب الانطلاق من واقع مهترئ
ينبغي تغييره او تطويره ، وان يتقّبل كل
المستحدثات الجارية في العالم بروح عالية .. اننا
مدعوون جميعا لوضع اسلوب عمل صريح وشجاع يطالب
بالنص مراعاة التشريعات الخاصة بذلك .
نعم ، ان حياتنا العربية ، الرسمية والاهلية ،
بحاجة ماسة الي اصدار تشريعات وضوابط لكل مرفق من
المرافق والمؤسسات والاجهزة المستخدمة ، وان تخضع
ثورة التحديث الي هيئات نزاهة وان تخضع كل
التجاوزات للقضاء .. لابد من تغيير في نهج الذات ،
وتماسك في العلاقات ، والتزام العمل .. وشفافية
الحوار ، ينبغي ابداع الكلمة ، والنص ، والريشة ،
والصورة والصوت ، والعقل ، والمشاعر ، والجمال ،
واثراء الثقافة الحقيقية واشراكها في سيرورة
الثقافة العالمية .
وأخيرا ، ينبغي تفعيل اي بادرة او اكثر من اجل ان
يكون كل الانسان في مجتمعاتنا كفوءا ومحترفا
ومنتجا ، وان يلتزم جملة تقاليد واعراف نهضوية لا
حيدة عنها .. وان تمارس اخلاقيات في غاية النضج ،
وان تؤسس برامج عمل ، وتشرع قوانين ، والانطلاق
بكل ما يمكن ان يسّهل العمل ويرسّخ الشفافية بعيدا
عن الفوضي السائدة .. ان الحياة العربية ينبغي ان
تكون مؤسسة للمنتجين ، ورحابا للمثقفين ، وتجمعا
للمبدعين ، ومنظومة للعاملين ، وميدانا للتربويين
، وساحة للفنانين الحقيقيين . اننا بأمس الحاجة
الي ان نعيد التفكير بمسيرتنا ، حتي وان كانت
قصيرة والا سنكتب ضربا من العبث والجنون ، ومهما
بقينا متنازعين بمثل هذا المستوي فسوف يسجل العالم
علينا بأننا غير مؤهلين ابدا للعمل بروح جماعية
وحداثوية .. فهل سندخل حقا القرن الواحد والعشرين
؟ وهل سننجح باستخدام آخر منجزات العصر من اجل
الارتقاء بواقعنا وافكارنا وخطابنا وكل وجودنا الي
زمن جديد ؟ هذا ما ستجيب عنه السنوات المقبلة .
البيان الاماراتية ، 17 ديسمبر 2008
www.sayyaraljamil.com
_____________________________________