اهلا وسهلا بكم في موقع ناصريه . نت

عيد ميلاد مجيد يا أهل ناحية الحَمارّْ....


نعيم عبد مهلهل
28/12/2008
البرلمان العراقي الاصدار رقم 306


هنا في أوربا، وفي خلسة من النجمة المستيقظة سينسل (سانت كروز) أو كما يسميه أبناء الأهوار العراقية (بابا نوئيل) عبر النوافذ العلوية لغرف الأطفال، بدلته حمراء ولحيته بيضاء وكيسه المليء بالهدايا، ويضعها قرب وسائد النوم وهو يتمنى لهم ميلاداً مجيداً ليوم ولد فيه السيد المسيح، فقط لينثر بذرة الخير على الأرض وتنمو وردة السلام..

من بيت لحم في فلسطين إلى وسادة مريم أصغر بناتي (5) أعوام يمضي هذا الشيخ الطيب في طرق كلها ثلوج وسرف دبابات ومصائد الغام وطرق لم تزفت بعد واحياء صفيح لجياع وقرى من القصب والطين وفيلات فارهة في منتجعات أثرياء الرحمة ليصل إلى هذه المدينة الهادئة في الريف الألماني ويسأل عن سومرية بريئة هجرها مزاج الزمن المتحاصص وغياب الشعور بالراحة وأنت ترتدي القميص الملون ليهديها قطع من نساتله الشهيرة ودبهُ القطني السمين وقبلة إنسانية ليس فيها شهوة هؤلاء الذين يختطفون الطالبات الجامعيات في بغداد ويفعلون ما يفعلون ببأس البرابرة وبراءة المغول وتشريع ما شرعه الله في نفوسهم المريضة وبالتالي يطلبون الفدية والدية وربما إذا كانت المختطفة غير مسلمة يجبرونها على نطق الشهادة،فيصير العرس نوراني والمختطف الطيب يصير مثل فاتح ومبشر وقديس.
هذا ليس خيالا أو افتراء، فالقصة منقولة عن لسان فتاة جامعية اختطفت في شارع الصناعة قرب الجامعة التكنولوجية في بغداد وقبل عيد الميلاد بأسبوعين.
تقع ناحية الحَمارّْ في منطقة هور الحمار ضمن المساحة الإدارية لمحافظة ذي قار ــ جنوب العراق (360 كم بغداد)، وهو واحد من اكبر الأهوار العراقية يلتقي شمالا بمسطح مائي مع هور الحويزة في الجانب الإيراني عبر امتداد هور الجبايش، وعاش هذا المكان تاريخا مضطربا منذ اقدم العصور بسبب التكوين المجتمعي المنعزل لسكان الأهوار، ولهذا كانوا ومنذ الأزل بعيدا عن أي خدمة حضارية ومدنية، ولكن هذه العزلة صنعت شعباً عنيداً احب حياته وطقوسها ونال القناعة الأزلية بأن ماياتي به الله هو ما تقدره قناعة الروح ولهذا كانت تفتك بهم الأمراض ويموتون بصمت وقناعة، وحتى شظايا المدافع منذ الدان العثماني إلى مدافع النمساوي لم ترهب فيهم لحظة الوجود،لكن وجودهم اهتز مرة واحدة عندما صدر الأمر الرئاسي (الموقر) بتجفيف هور الحمار، وهو أعلان رسمي وعلني في اغتيال طبيعة والذهاب بها قسرياً إلى الانقراض حتى صار في قناعة أحدهم أن تصبح الأهوار مثل الديناصورات منقرضة ولا تعود إلى الحياة أبدا، وصار الحنين إلى صورة سمكة الشبوط مثل ذلك الذي يحن إلى أغاني الشباب وذكريات عشق الصبا.
أهل ناحية الحَمارّْ بسبب شمول عالمهم برحمة الموبايل والصحون اللاقطة التي علت سطوح بيوت الطين والقصب في منظر لا يخلو من المفارقة أن تدخل روتانا وأغنياتها الساخنة بيوت أولئك الفقراء صاروا يشاهدون العالم كله وهم ممددون على سوابيط القصب، ولا يهمهم لسع البعوض ووخمت (الشرجي) الرطب عندما يحتدم الحوار حول العراق في برنامج صاخب كالاتجاه المعاكس.
لقد فتح العالم لهم نوافذه، ولكن هل استفادوا من محاسن العولمة وإشراقة ابتسامة المذيعات والإعلانات الخرافية عن تسويق عطر فرنسي أو فرشاة أسنان .؟ اعتقد انهم بسبب تراكم قرون الفطرة والعزلة مازالوا مشدودين إلى تلك البهرجة، وبعضهم صار يترك علف جاموسته لأجل أن يكمل قصة الوسيم (مهند) في المسلسل التركي المدبلج، وربما صاروا يحلمون كما خلق الله في العالم المتمدن بأن يأتي إليهم سانت كروز بهدايا الميلاد المجيد. لكن بابا نوئيل يخاف على نفسه من مخاطر الطريق والفتاوى، وأشياء كثيرة قد يعتقد فيها مدير ناحية الحمار مثلا أنها تفتح عيون أبناء المدينة فيكثر الطالب والمطالب، وعليه أنا نفسي تمنيت لرجل الثلج أن يذهب هناك، فكان رده: يتمنى قبل الهدايا أن تتحسن أوضاع الناس هناك، يشربون الماء الصالح للشرب، وتصلهم الكهرباء، تعبد الطرق وتبنى المدارس والمراكز الصحية، فليس من المعقول أن يملك ابن ناحية الحمار احدث جهاز موبايل وهو يسعل في الصيف والشتاء ومازالت آثار البلهارزيا ظاهرة عليه، ومازال طاعون الماشية يهدد جواميسهم وما يقتاتون عليه.
ربما الدولة مثل بابا نوئيل تفكر بإنقاذ هكذا عالم وضعته اليونسكو ضمن محمياتها الدولية،وعليه ينبغي أن تصير هي المعمر لهذه الناحية وغيرها من مدن الأهوار ويصبح السيد وزير الدولة لتمنية الأهوار هو بابا نوئيل، لتكون هداياه بدلا من النساتل والدببة والعصافير، مدارس حديثة ومرافق سياحية ومشاريع أعمار،أهمها مجمعات سكن لا يدخل من نوافذ بيوتها البعوض والحرمس ورائحة روث الجواميس.
هذا الشعب الأزلي، والذي صمد مع حضارته كل هذه العصور، يحتاج مني أنا وسانت كروز والأمين العام للأمم المتحدة التقدير والثناء ...


زولنكن في 27 كانون أول 2008


_____________________________________
البرلمان العراقي

الرجوع الى الصفحة الرئيسية