أدب الثقافة وثقافة
الأدب

زيدان حمود
الثقافة في مفهومها العام ، هي معرفة الأشياء والبحث عن
مصادرها ، بغية خزنها في الذاكرة كمعين لا ينضب لمساعدة
الإنسان على التواصل في مجالات الحياة العامة ، اجتماعية ،
سياسية ،فلسفية ، دينية ، أدبية ، اقتصادية ..وعلى وجه أكمل
.
وعليه يكون المثقف دائم المعرفة في شؤون الحياة العامة ،
ومن هنا تكون الحاجة إلى أدب الثقافة، كمفهوم عام في إرساء
القواعد الأساسية لبناء المثقف كرجل موسوعي ، يلم بأمور
الساعة ومتطلباتها في ميادين شتى ، وأدب الثقافة هي مواصلة
النتاج اليومي في القراءة والاستماع والمشاهدة ، لمعرفة
الأشياء ومتابعة شؤونها ، والأخذ بتفاصيل مدياتها على أوسع
ما تكون ذهنية الاستيعاب للوصول إلى حالة التفسير والتأويل
والشرح والتحليل ، وهذا يعطي للمثقف مساحة واسعة للبحث عن
كل ما هو جديد في ميادين الحياة المتنوعة ، لتثبيت قدراته
المعرفية والموسوعية في مجال المقابلات والمناظرات ،وتسليط
الضوء على الأحداث الجارية في حينها .
إذن المثقف خارج أدب الثقافة، لا يمكن أن يسمى مثقفا
لافتقاره إلى ديمومة التواصل المعرفي عن طريق القراءة
والبحث والمشاهدة أو الأستمتاع لتغذية خزينه الدائم بخزين
متجدد .
أما الثقافة في الأدب فهي شيء آخر يختلف تماما عن ثقافة
الأدب ، حيث يدخل المصطلح في هذا الجانب إلى باب التخصص ..
نماما كما في المفهوم الطبي العلمي.
فعندما ننطق بكلمة طبيب مجردة ، فأنها تعني خريج كلية الطب
الذي المَّ بالأشياء العامة لعلم الطب ، ومعرفة الأمراض التي
يتعرض إليها الإنسان وفق قواعد تشريحية لبنية الجسد
الإنساني ، إضافة إلى معرفة الأمراض التي يتعرض لها ،وأنواع
الدواء التي ستعطى له ، ولكن عندما يقال طبيب جراح أو طبيب
نفساني ، أو طبيب لأمراض القلب .. الخ ، فهذا يعني التخصص
حيث يبدأ الطبيب بدراسة جديدة متخصصة يتعمق فيها بمعرفة
الأشياء العامة في الجزء الخاص بتخصصه ، كما هو الحال مع
المتخصص بالثقافة ، فعندما نقول ثقافة الأدب لا نطلق على
المهتم بها كلمة مثقف فحسب ، وإنما تتعداها إلى كلمة أديب
، وكذلك الحال مع المهتم بالشأن السياسي أو الاقتصادي أو
الفلسفي حيث يقال سياسي .. اقتصادي .. فيلسوف وهكذا .
الذي يعنينا في ثقافة الأدب أن يكون الأديب قبل اختياره
لهذا النموذج السامي من الثقافة ،
ُملمّا بجوانبه الدفينة
إضافة إلى هاجس الهمّ الأدبي، الذي يجب أن يرافق الأديب
دائما ، فلا يمكن للأديب أو الفنان أن يخطو نحو باب الخلود
دون هاجس أو همّ دفين في داخله كحب عنيف لا يفارقه ، ولا
يمكن أن يكون هذا الحب أو الهاجس عابرا ، وإنما محركا
فعالا للمواصلة والبحث عن الجديد المتماشي مع سير الحياة
الثقافية المتجددة على الدوام
. ومن هنا تأتي ثقافة الأدب
كمحرك فعلي للأديب في عطائه الدائم ، وثقافة الأدب تعني
الاطلاع الشامل على آداب الشعوب ومنجزاتها الأدبية ، وهموم
وسيرة كتابها ، وفتح جواهر الأدب القديم والحديث كخزانة
ينهل منها الأديب لتطوير أدواته الكتابية في الأدب
.
وعندما نطلق كلمة أديب على المهتم في هذا الشأن ، لا ننسى
أيضا التخصص في باب الأدب الذي يشتمل على أبواب عديدة أخرى
في الشعر والقصة أو الرواية والنقد بأنواعه وكتابة
المسرحية والسيناريو .. الخ ، ولا يشترط في الأديب التخصص
، وإنما ستكون الصفة الغالبة على إبداعه المتجدد والمتطور
في إحدى مجالات الأدب السابقة الذكر هي التسمية التي ستطلق
عليه وفق إبداعه المتميز في ذلك المجال
. ولا يمنع إطلاقا
أن يكون كاتب القصة روائيا أو مؤلفا مسرحيا أو ناقدا وحتى
شاعرا ، ولكن اهتمامه وتخصصه في احد هذه الأبواب ، يعطيه
تفرغا وحرية مثلى للإبداع والتجديد والمواصلة
. وعليه تكون
القراءة والقراءة المضنية والاطلاع على تجارب الآخرين على
مراحل متطورة من الزمن ، والتجريب الدائم في كتابة اللون
الذي يستهوي ذلك الأديب هو الذي سيجعل منه وحسب اهتمامه في
اللون الذي ينتمي إليه بإحساسه ووجدانه ورغبته أديبا
متميزا كأن يكون قاصا وروائيا ذا كفاءة عالية أو شاعرا
ممتازا، وربما ناقدا أو مؤلفا مسرحيا ... الخ.
ومن هنا فأن
ثقافة الأدب تعني الاهتمام بالنتاج الأدبي ومتابعته
والإبداع فيه ، على عكس أدب الثقافة الذي سيكون حتما هو
الخوض في معرفة شؤون الحياة العامة بشكل علمي ومدروس يعطي
للمهتم به أحقية حمل صفة ( المثقف ) ...
____________________________________