الرسالة الاولى
تقي الوزان
قبلني فؤاد وسلمني رسالة ابو رشا , وهي الاولى التي تصلني
منه . كان ذلك في تشرين اول عام 1988 , وقد مضى على تصفية
الجبهة الوطنية عشر سنوات . كان النظام قبلها قد فعل كل ما
يستطيع فعله للوصول الى معرفة ما يجري داخل العوائل
العراقية , وتمكن من خلق ايهام لدى الغالبية العظمى بكونه
يعرف كل مايقال ضده , بعد ان اعدم الكثيرين بتهم لم
يقترفوها , مثل الانتقاص من رئيس الجمهورية او من السيد
النائب . ونشر بشاعة التعذيب , وسادية البطش بهذه الضحايا
, عن طريق اخبار شفاهية تنتقل من المسؤولين الكبار لتصل
الى كل عائلة عراقية , عبر الشبكة البعثية من المنظمات
الحزبية والمهنية التي غطت كل زوايا الحياة . زراعة الرعب
هذه دفعت الكثيرين للتعاون مع النظام في محاربة الشيوعيين
وباقي المعارضين , ورغم اختلاف هذه الدوافع من شخص لآخر ,
الا ان اخطرها كان من الشيوعيين الذين تعاونوا ( باخلاص )
مع النظام , وارادوا التنكيل بالباقين , عسى ان يعيد لهم
ذلك قناعتهم بانفسهم ويصبح الجميع ( في الهوا سوا ) . في
هذا الجو وبعد فترة ليست بالقصيرة التقيت بالصدفة بابو رشا
في حافظ القاضي وسط بغداد . واصر على دعوتي للغذاء , حاولت
التملص , ولكنه مسكني من يدي وسحبني الى مقهى قريب . حاولت
ان اكون طبيعياً جهد الامكان , ولا اظهر تمنع اكثر قد يثير
شكوكه . طلب مني ان اسمح له بخمسة دقائق فقط ليكلم صديقه
في التلفون من متجر بجانب المقهى , ويخبره بانه سيتأخر
عليه . خرجت خلفه , واستدرت في الفرع الذي فيه الثانوية
الجعفرية , وبعد خمس دقائق كنت في سيد سلطان علي اتنفس
بعمق , وقد زايلني القلق ... ربما كان صادقاً باتصاله
بصديقه ؟ واذا كان صادقاً سيعذرني حتماً .
عندما بعث الرسالة مع فؤاد لم يخبره أي شئ عن عمق علاقتنا
, رغم الحميمية التي تربطه بصديقي فؤاد ايضاً , حيث دخلا
في مفرزة واحدة الى كردستان قادمين من سورية , وطيلة
الثمان سنوات الماضية لم ينقطع الاتصال بينهما بشكل مباشر
او غير مباشر . ولم يخبره ايضاً اننا التقينا قبل سنتين ,
ربما بسبب طبيعته المتكتمة , او اعتقد باستيائي من تصرفه
معي .
كان بيشمركَة في قاطع اربيل , وعلم بقدومي الى مقر قاطع
بهدنان , وبلغني احد الرفاق الذين يعملون معه : انه يحاول
الحصول على اجازة لزيارتي . سألت الرفيق عنه , كي ابلور
صورة استطيع من خلالها التواصل معه بسهولة بعد سنوات على
ذلك اللقاء , اجابني بالايجاب بكل شئ , الا انه شايف نفسه
. التقينا , وكان ذلك الانسان الحالم الذي عرفته منذ عقدين
, يختصر الكثير ويقدم فكرته بوضوح , لايجامل على حساب
قناعته , صاحب نكتة , وتعليقات لاذعة يعتقد البعض انها
ساخرة .
كانت اجازته محدودة , وكنت اعمل على تقديم مسرحية , وقبل
يوم من سفره طلب ان يشاهد التمرين , واعتذرت لان الانصار
ليسوا ممثلين وسيربكهم بحضوره , ويؤدي الى فقدان الثقة
بأدائهم , في الوقت الذي نعمل فيه على بناء هذه الثقة .
الح , واضاف : بان الرفيق ابو خالد ( كان معه ) يود ان يرى
التمرين , وهو مخرج ايضاً , وخريج اكاديمية روما المسرحية
. اجبته باحراج : اتشرف , وهذا يعزز موقفي . ابتسم ابو
خالد بطريقة لاتعبر عن أي شئ , ولكنه حياني بانحناءة بسيطة
من راسه , وفي داخلي حسدته على هذه الامكانية في اخفاء
مشاعره بالكامل . ابو خالد من اهالي عقرة , يعتمر جمداني (
لباس الراس الكردي ) وشعره اسود طويل ينسدل من تحت
الجمداني الى كتفه , في تحدي صارخ للتقاليد الكردية التي
لاتستسيغ الشعر الطويل للرجال , ووجه اسمر يعتني بحلاقته
يومياً حتى من الشارب , وهذا تحدي ينفرد به من بين كل
الرفاق , فمن الذي يستطيع ان يحلق شاربه وسط بيئة ريفية
وعشائرية غيرابو خالد ؟! ويبدو ان سبب تمرده لعيشه الطويل
في اوربا وتاثره بالحريات الغربية . عرفت ان ابا خالد
سيستمر في البقاء ولم يذهب غدا مع ابو رشا , اكدت له بانه
سيشاهد التمرين قبل العرض بيومين , واكون سعيدا بملاحظاته
. ابتسم ذات الابتسامة , واذهلني برزانته.
.. بعد ذهاب ابو رشا بيوم واحد عرفت ان ابو خالد خياط ,
قدم الى مقر القاطع لانجاز خياطة بدلات الانصار , وتدريب
بعض الرفيقات على الخياطة . وهو امي لاقرء ولا يكتب ,
وضعيف في الكردي والعربي , ولايعرف في اللغتين اكثر من
مائتي مفردة .
ابو رشا ( خالد فضالة ) من الصويرة , كان معلماً وخجولاً ,
يعشق مدينته , ويتغنى باستقامة ابن مدينته الزعيم عبد
الكريم قاسم , كنت اكايده واقول له : ان هاشم ابو
البايسكلات من الصويرة ايضاً . وهاشم هذا قتل ابنه بحجة
انه هارب من الجيش , اكرمه صدام , ومنحه احد اوسمته ,
ولاكثر من اسبوع يعرض التلفزيون بطولته , ويمجد كرامته
التي ابت عليه ان يرى ابنه هارب من الجيش والعراق في حرب
مع ايران . الا ان ابناء الصويرة يعرفون جيداً ان هاشم
حاول الاعتداء على زوجة ابنه , واثناء الشجار ضرب ابنه
بحديدة ثقيلة ادت الى مقتله.
اخبرني احد ابناء الصويرة بعد سقوط النظام : ان هاشم قد جن
, واخذ يجلس في باب بيته الذي اهداه له صدام. وبعض الشباب
يبصقون عليه كلما مروا وشاهدوه .
عندما رأيت ابورشا كانت الخطوط تملئ وجهه الاحمر وعنقه
الطويل , الا ان شعره حافظ على برونزيته وتجعده , كان
لايتوانى عن القيام باي عمل يكلف به , ولفت الانتباه
لتخطيطه العسكري الدقيق , وطريقة تنفيذه التي تعتمد في
نجاحها على جرءة تقارب الجنون . الحقد على النظام , ورؤية
بشاعة جرائمه , ليست هي المولدات الوحيدة لطاقته . هنالك
شئ اكبر , وكلما تشابك مع الموت في اغلب العمليات التي
خاضها كلما توضحت الصورة التي وجد عليها , انه مخلوق لهذا
العمل بالذات . كان فيض نجاحه يغري الشباب بمغامرات فريدة
قد تفضي الى الموت . كان حريصاً في اختيار مفرزته التي
لاتتجاوز العشرة انصار , ولاتقل عن ثلاثة . سأله احد شباب
مفرزته : ليش ما تلبس رتبة عقيد , افضل من نقيب او ملازم
اول ؟ اجابه بهدوء : اكو عقيد يقود مفرزة انضباط بالشارع
؟! لو العقيد ايكون بالمديرية .
ارتعب الجهاز الحزبي البعثي والحكومي اكثر , عندما تأكدوا
ان حادثة الاختطاف الرابعة خلال ستة اسابيع تمت صباح اليوم
, وفي وسط المدينة . تأكدوا من انها ليست مفارز بيشمركة
تأتي وتنسحب في الليل . كان المخطوف مقدم استخبارات , قدم
في الساعة العاشرة صباحا من المعسكر الرئيسي في اربيل (
حالياً منتزه الشهيد سامي عبد الرحمن ) متوجهاً الى
المحافظة في وسط المدينة , والمسافة لاتستغرق في السيارة
اكثرمن عشرة دقائق . جن جنون الاجهزة الامنية . بهذه
الجرءة ؟! وفي العاشرة صباحاً ؟! الشك ليس بالجحوش ومرتزقة
السلطة فقط , بل بكل شئ كردي . الاختطاف هز تماسكهم ,
وظهرت تشكيلات من العسكريين العرب فقط , ويبدو انها احد
خطط الطوارئ , رفعوا الامان , سحبوا اقسام بنادقهم , كانوا
يتفرسون في وجه أي كردي , يتلفتون في كل الاتجاهات وهم
يطوقون المنطقة التي يعتقدون ان الاختطاف حصل فيها , فتشوا
البيوت بيتاً بيتاً , وزاوية زاوية , توزعوا كل عشرة جنود
يفتشون دارا , اثنان في الباب , وثلاثة صعدوا الى السطح ,
واثنان يراقبان , والثلاثة الباقون يفتشون كل شئ , كان
البيت صغيراً ويتكون من غرفتين متقابلتين , تتوسطهما طارمة
, وامامهما مساحة وسطية مرصوفة بحجر غير منتظم , في جانبها
الايمن حوض وصنبور ماء , وفي الجهة المقابلة مطبخ اقرب
للصريفة من الغرفة , وبجانبه فتحة بئر مهدم , ولاتوجد في
البيت غير امرءة عجوز . فتشوا الغرفتين وقلبوا كل شئ فيها
, سأل العجوز : رجلج وين ؟ اكو احد وياج ؟ (سمعهم بوضوح
ابو رشا واثنان من مفرزته والاسير) اجابه صاحبه: شتفتهم من
هذي مهمودة الشيب , حتى عربي هم متعرف . تقدم الجنديان من
البئر , وضرب احدهم الطشت الذي بجانب فتحةالبئر, سمع
ابورشاوجماعته حركتهم,احسوا بصوت احذيتهم , كتموا انفاسهم
, بينهم وبين الجنود فوق رؤوسهم متر ونصف المتر, مد الجنود
نظرهم الى داخل البئر.. انسحبا, بعد لحظات سمعوا صفقة
الباب , تنفسوا داخل مخبأهم . كانت في احد جوانب البئر
مغارة اشبه باللحد , وموه مدخلها بالجنفاص المصبوغ بلون
جدران البئر بشكل جيد . مقدم الاستخبارات كان خائفاً من
اية حركة اكثر من مختطفيه , فقد ادرك انه اول من يموت في
المواجهة لو حدثت . هذا ما افاد به بعد ان سحب الى المقرات
في الاراضي المحررة .
عندما وصلتني الرسالة كنا في زيوة نعالج وضعنا سوية مع
بيشمركة الديمقراطي الكردستاني والعوائل الكردية , والكثير
منا يحتاج الى علاج اثر هجوم الانفال الدموي . وزيوة قرية
ايرانية كبيرة تحاذي الحدود العراقية , تقع جنوب ارومية (
الرضائية ) وشمال نغدة , وهي تكاد ان تكون عراقية لولا
الاجهزة الحكومية الايرانية . استقر فيها اكراد عراقيون
منذ عام 1975 على اثر الاتفاقية المشؤومة بين صدام والشاه
, والتي حصلت فيها ايران على نصف شط العرب مقابل الغدر
بالثورة الكردية . وجنوب زيوة على الجانب العراقي ,
وبالتحديد في ( ناوزنك ) مقرات البيشمركة الشيوعيين ,
ومنها بعث ابو رشا برسالته التي لاازال اتذكرها بعد عشرين
عاماً .
كان يتألم بشدة من عمق الجراح التي تركتها الانفال في جسد
هذا الشعب المنكوب , لقد فرغت كردستان من قراها , وبات
الوصول الى من سلم في المجمعات السكنية , والى القصبات
والمدن صعباً , ويستغرق اياماً . بعثوا مفارز صغيرة من
شخصين او ثلاثة لتحديد مناطق تواجد الجيش والجحوش . لم تكن
هناك مشكلة في تموين المقرات بالمواد الغذائية وباقي
الاحتياجات , كانت المشكلة الوحيدة هو في الوصول الى المدن
, وكيفية تنظيم المقاومة داخلها . كانوا مجموعة من الشباب
ارعبوا السلطة في كل محافظات كردستان , وبالذات في اربيل .
حاولت السلطة واذنابها الحصول على صورهم لتعميمها ولم تفلح
, ووضعت جوائز كبيرة لمن يوقع فيهم , ولم تتمكن من أي واحد
منهم , كانوا ينقلون المقاومة الى عمق المدن , وعمليات
جريئة داخل السجون والثكنات والمجمعات الحكومية والكليات
والاقسام الداخلية . كانت رسالته تحتشد بالرغبة الجارفة
وامل العودة السريعة الى احضان المدن . بعد رسالته الاولى
بيومين فقط , اخبرونا بوفاته المفاجئة . كان يجلس بين
رفاقه, وشخر ولم يفق .
___________________________________
Wz_1950@yahoo.com