بيدنا لا بيد غيرنا !

د. كامل العضاض
هل كان خلق الإنسان غواية؟ أم إمتحان؟ أم إن للخالق
بمخلوقه شؤون أخرى؟ فالخالق الكريم جهّز الإنسان، من دون
بقية مخلوقاته، بالعقل لينظم غرائزه البدائية؛ فالإنسان
يشارك بقية المخلوقات بغريزته الفطرية؛ أي أنه يسعى لغذائه
ومأواه وأمنه قبل كل شيء، وبأي ثمن! بأي ثمن؟ لاحظ هذا
السؤال الأخير؛ فهو يعني بأن ناموس الغريزة الفطرية يوجب
على الإنسان البدائي أن يزاحم ويزيح ويسرق وينهب، بل ويذبح،
حتى لو كان الذي يذبحه من الأنسال أو الأنساب، كلما تعرض
رزقه للحرمان!
وبهذا، فالإنسان يولد ولا يدري لماذا، ثم يسعى ليعيش،
وبغريزته لا بعقله، يتخاطف غذائه، ويقاتل من أجل بقائه،
لحينما يتيّسر من هو أقوى منه، ليرسله الى موته المحتم.
ولكن الخالق العظيم حبى الإنسان، أيضا، من دون بقية
المخلوقات، بالعقل وبالقدرة على التفكير والتأمل، ليبدع
طرائقا يؤجل فيها موته، ويتقاسم بموجبها حصة ما مع منافسيه
من البشر الآخرين.
إلا أن مركز العقل في توجيه السلوك الإنساني غير ثابت
القوة والمعيار، ذلك لأن كفاءة العقل، وبالتالي التعقّّل،
تعتمد على عوامل كثيرة، منها الثقافة والتربية والبيئة،
بمعانيها الواسعة، بإفتراض سلامة الدماغ الفيزياوية؛ إذ إن
التخلف العقلي، او ضعف القدرة على التفكير، لايسببهما غباء
فطري بالولادة، بل هما يتأتيا من عطل ما قد يحصل في الدماغ،
أو نقص في الثقافة والتربية وخلل في البيئة. عندها، يضعف،
بل قد يتعطل مركز العقل في توجيه السلوك الإنساني صوب
التعايش والتوافق والمشاركة والإقتسام العادل للرزق، الى
غير ماهناك من قيم العيش السوي.
ولعلّ أقدم وأهم الثقافات التي تواترت عبر التأريخ لإخراج
الإنسان من بدائيته الغريزية، هي الأديان، بأشكالها
وأنواعها؛ رمزية، وثنية، توحيدية، ثنائية، مانوية، غير
توحيدية، كلها سعت لتدجين الإنسان ونقله من حافات الموت
الى حافات الحياة والتعايش والإجتماع والمحبة، ليكسب، عند
ذاك، في دنياه على شيء ما؛ علاوة على إحتمال حصوله على ذلك
الوعد الكبير والأكيد الذي سيجنيه في الآخرة، بدخول جنات
الخلد والنعيم. وتوالت ثقافات أخرى غير دينية، ومنها
خرافية، لكن أثبتها بل وأكبرها أثرا هي ثقافة المنهج
العقلي الذي يقوم على السببية والمنطق والإستقراء.
فحينما يكون الخلق الفيزياوي للإنسان سويا، أي أن دماغه
غير مريض، ويتلقى ثقافة العقل أو المنهج العقلي، فهو،
بالتأكيد سيفكر جيدا، وسيجد الحلول الكفيلة لإخراجه من
معضلاته، بل، وربما، يهتدي الى تحقيق مصالحه الشخصية،
باسلوب لايدفع الى فنائه؛ إذ سيعقل، أين تقع مصالحه
العاجلة والمؤجلة؟ ومتى سيجنيها هو أو من سيرثه؟ سواء كانت
مصالحه تلك مادبة أو معنوية، أي تسّد له حاجات نفسية،
أوتزيح عنه نقص أو مركبات نقص علقت به.
في حالات العنف والصراع الذي يكاد أن يكون بدائيا أو
غريزيا، بسبب غياب العقل أو المنهج العقلي، كما يفرزها
المشهد العراقي اليوم، تجد أمامك تفسيرين؛ الأول
هو أن العقل قد مات، وبالتالي ستفني هذه المخلوقات
العراقية بعضها بعضا. والثاني، هو إن العقل
قد تراخى وسيسترد عافينه، بفعل سخونة ومرارة الواقع اليومي،
عند ذلك، قد يصحو الجميع على حقيقة عقلية كبيرة؛ وهي
أنه لا المحتل ولا دول الجوار ولا الأمم المتحدة، ولا
منظمات حقوق الإنسان، ولا ضمائر مبعثرة هنا وهناك، بل هي
هم هم العراقيون المتقاتلون المجّهلون، أي نحن وحدنا،
بيدنا، لا بيد غيرنا، نستطيع أن نوقف هلاكنا، ونحقق خلاصنا
وعيشنا السوي؛ بدون منهج العقل يستحيل الخلاص، والخلاص
بيدنا لا بيد غيرنا.
____________________________________