العراق .. حكومات تتعاقب
. وظرف استثنائي لايزول
1-2
حيدر الرفاعي
لو تصفح المتتبع للشان العراقي تاريخ هذا البلد من قيامه
والى هذه الساعة .. لوجد فيه تشابها كبيرا بين اليوم
والامس .. وان هذا التشابه سيرسم له صورة الغد العراقي
المشوب بالحسرة والالم . حيث تضائل فسحة الامل للعيش
بكرامة وعزة .. ان لم نقل انعدامها .. ولعل الاربعة عقود
الاخيرة من تاريخ هذا البلد كانت واقعا مريرا وصفحات سوداء
من تاريخه ..
فحينما استلم حزب البعث السلطة في العراق على خلفية
انقلابات ومؤامرات ودماء سكبت فيه , كانت الوحدة والحرية
والاشتراكية ابرز اهدافه التي تشع بالسلام والامل والحياة
الوحدوية الهانئة !! . وتحت هذه العناوين قطف العراقيين
انذاك حروبا ودمارا سادت بلد السواد من اقصاه الى اقصاه ..
حيث كانت فترة الحرب العراقية - الايرانية وفي نظر الحكومة
انذاك ومن حالفها (ظرف استثنائي )!! منوهة بهذه التسمية
الى بساطه المسالة وقرب انتهائها وتحقيق النصر فيها ..
واستمر ذلك الظرف ثمان سنوات عجاف ذهب ضحيتها مئات الالاف
من القتلى والاسرى ومخلفة الملايين من الارامل والايتام ..
اضافة الى مارافقها من سجون واعدامات وتهجير ومقابر جماعية
ارجعت العراق قرونا الى الوراء المظلم والمتخلف .. حتى جاء
مطلع 8من اب1988 حيث انتهت المهزلة العراقية الايرانية دون
منتصر اوخاسر ..
وما ان تنفس العراقيون الصعداء في الفترة التي اعقبت ذلك
وهي قرابة العامين .. حتى جاءت مرحلة جديدة للدماء والقهر
والجوع في عراق الحضارات!!.. وظرف استثنائي اخر في نظر
حكومته الرشيدة!! لكنه هذه المرة من نوع اخر ..فقد كان
بالامس العدو الفارسي .. اما اليوم فهو العدو العربي ..
الشيء الذي يدخل الحيرة في محاولة فهم اهداف هذا الحزب
الحاكم .. فعبارة الامة العربية الواحدة التي كانت مطلع
اكبر شعاراته هي اليوم تداس تحت سرف دبابات البعث-بعث
العروبة والفداء- كما اسموه او يسمونه البعض الان !! وسيق
الشعب العراقي تحت الضغط والترهيب البعثي الى قتال وقتل من
نوع اخر و مؤلم لايكاد ينساه من اكتوى بناره .. ذهب ضحيته
الالاف من العراقيين والكويتيين اضافه الى ماخلفته تلك
الخطوة من حجج للتواجد الامريكي في المنطقة والذي يكاد
يكون الان سبب تعثر الامة وتخبطها في حين كانت الكويت من
اول المساندين للحكومة البعثية انذاك ضد الفرس..الشيء الذي
يطرح تسائلا هو هل كان صدام ظالما لايران كي نستطيع القول
على الكويت من اعان ظالما سلطه الله عليه؟!.. وفي غضون ذلك
هب الشعب العراقي متظاهرا رافضا لتلك الخطوة التي تدعوه
الى قتل اخيه العربي المسلم في انتفاضة كبيرة عمت ارجاء
العراق كله عام1991 .. وقُمعت تلك الانتفاضة بدعم امريكي
مساند للحرس الجمهوري البعثي وفي ذلك اشارة الى السياسة
الامريكية المصلحية في المنطقة فهي من جانب تدافع عن
الكويت ومن جانب اخر تسند صدام الذي آل الى السقوط انذاك
جراء الانتفاضة الشعبانية.. ونجح صدام في استعادة قواه
ببركات امريكية وباسلوبه القمعي المعتاد .. واتسعت مساحات
السجون .. ونصبت حبال المشانق .. وازدادت المقابر الجماعية
في بلد النهرين .. وعاش العراق اكثر من اثنى عشر عام ..
قهرا وجوعا وقتلا .. ووصل عدد المهاجرين خارجه الى مايزيد
عن الاربع ملايين عراقي .. فرو من ثقافة البعث الدموية الى
حيث الغربة المقيتة والمصير المجهول ..
وحتى جاء صباح التاسع من نيسان 2003 حيث سقوط الصنم الذي
استبشر به العراقيين بانتهاء كل ظرف استثنائي يستنزف
ارواحهم وحرياتهم .. بعد ان اقبلت اليهم رايات وشعارات
تبشرهم حملتها بالحياة الكريمة والعيش الرغيد ومتمنطقين
باعذب الكلام وافصحه .. ومتبنين اسماءا لامعه لاحزابهم
وحركاتهم .. وحينها استبشر العراقيين محاولين نسيان ماكانت
عليه تلك الاحزاب والحركات في
2-2
الخارج من نزاعات وعراك بين بعضها البعض .. ومتمنين ان
تزرع هذه الاحزاب والحركات من تواجدها داخل العراق الحب
والسلام بين اوساط المجتمع ...
الا ان الامل العراقي والامنيات لم تطول .. و الفرحة التي
عاشها العراق انذاك لم تكد تؤتي اكلها .. فسرعان ما كشرت
انيابها تلك التي وعدت بالخير والرخاء .. وسرعان مانسفت
تلك الشعارات واتضحت النوايا .. (فما حب العراق شغل قلوبهم
ولكن حب ماتحت العراق) فالنفط وخيرات العراق الاخرى حمل
تلك الاحزاب الى نزاع وشقاق وعراك على المناصب ... بدلا عن
تفكيرهم في بناء العراق وتضميد جروحه .. ولم يكتفوا بذلك
وانما حاولوا توسيع رقعة الخلافات لتسع العراق باقصاه .
وحيث ان الارضية في العراق كانت خصبه لنشر الفتن والشقاق
جراء سنين جوع وتخلف مريرة عاشها العراق مع حكومته السابقه
.. وبدلا من ان تنعش العراق قيادته الجديدة راحت في بث
الفرقة والنزاع من تحت سقوف البرلمان الى اوساط المجتمع
العراقي وبذلك اتسعت دائرة الدم .. وازدادت الانتهاكات تحت
تبريرات برلمانية وحكومية بان الوضع هو(ظرف استثنائي)!!!
... ترى هل سياتي اليوم الذي يزول به ذلك الضرف الجاثم على
صدر العراق منذ عشرات السنين ؟!!... ام ان الخلل في
العراقيين انفسهم؟!!.. ام ان العراق يحتاج الى عقل غيبي
يديره .. ونظرة عرفانية تشخص الخلل .. الله اعلم
____________________________________
*كاتب
عراقي