" كثرة " السيد مقتدى و"
تكثيره " في الميزان
فالح غزوان الحمد
لاشيء يبعث على الابتسامة هذه الأيام وسط دخان المواجهات
بين الأجهزة الأمنية و المليشيات السائبة في شوارع مدينة
الصدر و غيرها في بعض المناطق و إن بدأت تخف و تتلاشى في
هذه الأخيرة بفضل بسالة و قوة الشكيمة و الإصرار التي
تحلّى بها منتسبو الأجهزة الأمنية . و لكنني اليوم لم
ابتسم فقط بل أطلقت قهقهة من القلب تساءل عن سببها بعض ممن
سمعها .. الحق أنني لست من المقهقهين و لهذا أراها قهقهة
اضطرارية بعد أن كدت انتهي من قراءة رسالة السيد مقتدى
الصدر إلى أتباعه حيث ختمت الرسالة بقصيدة للشاعر مقتدى
الصدر .. و لا يعنيني هنا نقد هذه القصيدة أو التعقيب
عليها من الناحية الفنية بشيء يذكر ، لأنني ربما اجترح
نحوا من الظلم بحق الشاعر الذي نظمها لكونه في بداياته "
الشعرية " و مراهقته في الكتابة كما يراهق منذ زمن في عالم
السياسة . وقد قرأت لبعض الأخوة تشبيهه لقصيدة مقتدى
بقصيدة صدام حسين و اعتقد أن في هذا نحوا من الظلم أيضا
لأن صداما و الحق يقال كان أكثر براعة و أوسع معرفة من
السيد مقتدى بنظم الشعر و السيطرة من الناحية الشكلية على
الأقل فيما كان يكتبه . لهذا ركزت على المضمون و حاولت من
خلاله استجلاء نفسية الكاتب لحظة نظمه لتلك السطور التي
اقل ما يقال عنها أنها تافهة وفي استجلائي لم أصل إلى شيء
جديد مما اعرفه و يعرفه الكثيرون عن مقتدى الصدر مما لا
حاجة إلى إعادة الكتابة فيه و قد تناولنا ذلك في مقالات
سابقة منشورة هنا و هناك . أعود هنا لسبب ضحكي على أشطار
السيد الشاعر فقد جاء فيها هذا البيت :
يا أيها المظلوم لنقتفي الآثار
لنكثّر الطاعات فيكثر الإعمار
بالطبع لا اعرف عن أي آثار يتحدث الشاعر ، و لكن الشطر
الثاني يكاد في ظني أن يضحك الثكلى .. حقا لا ادري كيف
أوضح فكرة " الضحك " و أتركها لإحساس القارئ ، فقط أتذكر
هنا تلك المقولة المعروفة عن احد الكتاب حيث قال " يصعب
عليك أحيانا إلى درجة المستحيل أن تشرح لصديقك لماذا أضحكك
هذه الشيء .. فقط تكتفي بالقول : أقسم إنه يا صديقي شيء
مضحك للغاية " .
بالطبع أن ربط فكرة كثرة الإعمار بتكثير الطاعات هي فكرة
ترد في المأثورات الدينية الإسلامية و لا غبار عليها ،
فالجزاء على الطاعة لا ينحصر مردوده على الآخرة بل يستغرق
العالم الدنيوي و الإعراض عنها أي عن طاعة الله سبب في ضنك
العيش كما هو صريح النص القرآني الذي عبر عن الطاعة لله عز
و جل بذكر الله " و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا " .
و لكنني أسأل السيد مقتدى الصدر إذا ما كان يعرف هذا الأمر
حق معرفته أو أنه من حصيلة الدراسة الأخيرة له التي لم
يجتهد في الانصراف إليها : فلماذا عمدت إلى تشكيل مليشياتك
المسلحة لإشاعة الخراب و التدمير ؟ أم أن تشكيل مليشياتك
تراها جزءا من طاعة الله و تكثير الطاعات له سبحانه ؟ ..
لأفترض ذلك جدلا و هنا يأتي الإشكال الواضح لماذا بعد أن
ثبت لك أن مليشياتك - أو لنفترض جدلا مرة ثانية بعضا من
تلك المليشيات كما اعترفت بلسانك قائلا و بالحرف الواحد في
رسالتك الأخيرة " ويا أخوتي في جيش الإمام المهدي(عج)
كفاكم إراقة للدماء , وتعسا للمندسين والمرجفين " - تقوم
بإشاعة الفوضى و الخراب فهلا كان من واجبك أن تقدم على
قرار شجاع بحلها ؟؟ على أننا لو سلمنا بأن تشكيل المليشيات
هي من تكثير الطاعات فكان من اللازم أن يكثر الإعمار و
لكننا لم نر ذلك يا سيادة القائد ؟! لقد سيطر أتباعك على
بعض المدن و مازالوا يفرضون سيطرتهم على مدينتين هما مدينة
الثورة و مدينة العمارة بقوة السلاح و رغم إرادة أهليها .
بل و كانوا حتى وقت قريب يفرضون سيطرتهم على الموانئ و حتى
المنافذ الحدودية ، و رغم أن ذلك دام لعدة سنوات لم نلحظ
تغييرا على واقعها بل تحولت إلى خرائب و أشباح لقرى من
القرن الثامن عشر ..ألا يدلك هذا على شيء ؟ فلو كانت طاعة
الله قد تمت بالفعل من قبل أتباعك لرأينا كثرة الإعمار لا
فحش التخريب و الدمار ... و كيف ذلك و هم لائغون بدماء
الشعب و قتل الأبرياء و قتل كل من يمس اسمك الشريف بكلمة
ناقدة رغم أن ذلك من حقه ما دمت شخصية تعرض نفسها للرأي
العام .
إنه لمنطق عجيب و قلب صارخ للحقائق أو غباء و استغباء لا
نظير له . إن طاعة الله يا سيادة القائد لا تتم بتكوين
المجاميع المسلحة و تشكيل جيش إلى جانب جيش الدولة و
التسبب بكل هذه الفوضى ، فما كان أسهل على الأئمة
المعصومين أن يعمدوا إلى تشكيل مليشيا ضد الحكام و تعرف أي
حكام كانوا ، فالمليشيات لا يعجز عن تشكيلها أحد و لست
بأشجع من الأئمة عليهم السلام فقد كان أتباعهم أضعاف
أتباعك وهم إليهم أطوع من أتباعك إليك و كانت الأسلحة مجرد
سيوف و رماح تكاد تكون الأدوات المنزلية أو أثاثها المعتاد
لدى أفقر فقراء المسلمين . غير أنهم "ع " كانوا يدركون
حقيقة أن الحقوق لا تسترد بالفوضى و دق إسفين التناحر بين
أفراد و طبقات المجتمع . فضلا عن أن القضية تتعلق بالدماء
و هي من أحرج ما يتحرج منه الأئمة و العلماء و العارفون و
سائر المؤمنين الذين يربئون بأنفسهم عن إيجاد سبب لإراقتها
بأي شكل من الأشكال لكونهم يخشون يوما لا تنفع فيه مليشيا
و لا أموال و لا مناصب .
كثّر طاعتك لله بحل مليشياتك التي أسميتها جيش المهدي و
عندها فالعراقيون على ثقة بأن سيكثر الإعمار أما الإصرار
على إبقائها للتواصل مع إحساسك بالعظمة و الشعور بالقيادة
و السلطة والزعامة فإنه كفيل بإراقة المزيد من الدماء وهي
في عنقك مهما التمست لنفسك تبريرا أو حجة وعندها فلا شيء
سوى الدمار و لا قليل و لا كثير من الإعمار و البناء .. و
دعك من وتر عتيق بال لم يعد للعزف عليه معنى يذكر و اعني
مقاومة المحتل و تحرير البلد فأنت على يقين في داخلك كما
هو يقين العراقيين جميعا أن هذا المحتل يريد الخروج و لا
عائق أمامه سوى الخوف من أن تتسلط عليه أنت و مليشياتك و
القاعدة و ملحقاتها العفنة .
____________________________________