اهلا وسهلا بكم في موقع ناصريه . نت

النظرة الموضوعية للواقع المليشياوي العراقي


فالح غزوان الحمد


كاتب السطور كغيره من الملايين في العراق يؤمن بألا مشروعية لأي جهة مسلحة خارج إطار الدولة الرسمي ..

و كغيره من تلك الملايين أيضا يكره السلطة و التسلط الغاشمين و جلّ ما يسعى إليه و يحلم به ليل نهار هو حكومة تلبي حدا معقولا من تطلعاته و آماله و تعمل لصالح الوطن و المواطنين ..

و كغيره من تلك الملايين كذلك على قناعة بأن التاريخ و تجارب الأمم و الشعوب أثبتت أن المليشيات لم و لن تبنِ بلدا و نهجها التخريب و نتائجها التدمير حسب ..

و لكنه مقتنع كغيره مما قد يكون قلة من الناس يدركون حقيقة طالما رددها الفلاسفة و المفكرون وأثبتها الواقع البشري و تتلخص في أن بعض الظلم شيء لا مفر منه حين يبتغي المرء حكومة قوية و نظاما مستقرا سياسيا و اجتماعيا ...

في عراق اليوم يتجسد واقع مربك و تتضارب قناعات الناس حول كل قضية من عديد القضايا التي لا نهاية لها . اليوم العراقي هو يوم مليشياوي حيث التحدي فيه لكيانات مسلحة تريد فرض قانونها الخاص و تغليب أجندتها و توسيع نفوذها جنبا إلى جنب مع نفوذ الدولة و الحكومة و نكاد نجزم بأنه يوم سيحدد مستقبل العراق لفترات طويلة قادمة . و سواء كنا مع الحكومة أم ضدها فالأمر سيان في ثبات الموقف من قضية كقضية جيش المهدي و عصاباته الإجرامية . و لكن كأية قضية أخرى عراقية في الصميم لا بد و أن تتفرع إلى فروع و تختلف حولها التصورات و المواقف ، رغم أن المنطق يقول بوجوب توحد العراقيين بمختلف طبقاتهم و لا سيما المثقفون و أصحاب القلم في مواقفهم تجاه جيش المهدي باعتباره مليشيا خارجة عن نطاق الشرعية و لكن ما يلفت النظر حقا هو أن بعضا منا بحسن نية أو بسوء نية راح يبعثر الأوراق تارة و يخلطها تارة أخرى لمآرب خاصة و بالطبع لا يعنينا هنا أولئك الصدريون المدافعون عن مليشياتهم و بقائها و عن قائدهم الضرورة و حكمته الباهرة و انتصاراتهم المدوية ..

و مما لوحظ في الآونة الأخيرة و في غمار المعارك الشرسة مع عصابات مقتدى الصدر أن أثيرت ملفات " مليشياوية " أخرى و تحديدا حول الجدل القديم الجديد فيما يخص فيلق بدر الذي تحول بعد إسقاط النظام بفترة وجيزة إلى منظمة مدنية . لست هنا في معرض الدفاع عن بدر و البدريين و لا عن الجهة السياسية التي تنتمي إليها فأنا و لله الفضل و المن من الثابتين على حيادهم و من المستقلين بقناعاتهم . و لكن لدي ثمة ما يجدر بي قوله هنا و لا أخاطب به سوى أصحابي و أصدقائي و سائر المخلصين لبلدهم ممن يقاسمني الثبات على الحياد و يشاطرني قناعة الاستقلال و لا ينوء بغير الهم الوطني بصدق .

إن الحديث عن بدر عاد بعد أن اشترط الصدريون حل مليشيات بدر و الدعوة بشكل خاص أما البيشمركة فالوضع مختلف معها و الصدريون يقحمونها في بعض المناسبات و الأزمات لأغراض سياسية واضحة فهي وجود عسكري شرعه الدستور و أقرته اتفاقيات جرت بين الكثير من الأطراف و الكتل السياسية مع أنني شخصيا أرى في ذلك بداية غير مريحة و يحق لي التخوف من أن تدس البيشمركة بنادقها في مساحة خارج حدود الإقليم الكردي ، و الأكراد بحاجة لإثبات العكس للمواطنين لا سيما في المناطق المتاخمة للإقليم . نعود لقضية بدر و لننطلق من التساؤل الأتي : هل بدر ما زالت تمثل حقا مليشيا ؟ و هذا السؤال يجرنا حتما لوضع النقاط على حروف المليشيا تعريفا و تحديدا لها .. فماذا تعني المليشيا ؟

دون الإغراق في تفاصيل غير مهمة نقول إن المليشيا عبارة عن تنظيم مسلح له قيادة و يحمل فكرة أو إيديولوجيا يدافع عنها و هو تنظيم يحمل السلاح بشكل غير مرخص به رسميا ، من قبل السلطة القائمة أيا كانت مشروعيتها و شكلها ، و يسعى لتحقيق أهداف سياسية و عقائدية معينة عن طريق القوة وهذه أهم نقاط التعريف . و ليس من الضروري أن تزود عناصرها بالأموال و الرواتب و الأسلحة لكن من الضروري أن تتوفر على قدر من الهيكلة و ترتيب لمستوى القيادات و مسئولياتها لكي تخرج عن مفهوم العصابة أو المافيا بمعناها المتعارف . إذن فهي وجود شاذ خارج عن قانون و سلطة الدولة القائمة . فهل ينطبق هذا التعريف على منظمة بدر ؟؟

في معرض الإجابة عن ذلك لنحاول النظر في أبرز النقاط المميزة للمليشيا و نقارنها بواقع المنظمة البدرية . إن منظمة بدر تنظيم مدني و ليست تنظيما عسكريا وهذا واقع لا نقاش فيه ، و لكن ماذا لو كان هذا التحول و العنوان المدني مجرد خدعة و غطاء للتمويه ؟ الواقع أننا في هذه الحال بحاجة إلى إثباتات مقنعة ، فإذا كان العنوان المدني مجرد خدعة و غطاء مموِّه فإننا هنا لا بد و أن نلمس في المنظمة من داخلها و في حركتها و مواقفها و طبيعة خطابها ما يسند هذا الفرض . إلا أن هذا الأمر غاية في العسر لانعدام المظهر العسكري في أروقة هذه المنظمة و لأن حركتها و خطابها و مواقفها لا تستند على مفردات الخطاب المليشيي الذي طابعه التهديد و التوعد باستخدام القوة كذلك لم تتوسل القوة لفرض طابع ما يواكب قناعتها العقدية . ففي أحرج المواقف التي تعرضت لها هذه المنظمة كضرب مقراتها و إحراق مؤسساتها لم يصدر منها ولو عرضا أو بزلة لسان ما ينطوي على وعيد أو تهديد ولو ضمني . هنا يأتي الاعتراض من قبل البعض ليؤكد أن مستوى المقاربة و النقاش يجب أن ينتقل إلى قضية أخرى يتجسد فيها الحضور المقصود لبدر كمليشيا و اعني به أنها قد لبست صبغة رسمية عن طريق الانصهار و الأندساس في المؤسسات و الأجهزة الأمنية .. بعبارة أخرى أنها مليشيا بثياب رسمية .. و هنا السؤال الذي يطرح نفسه ، ما هو المعيار في وصف أصحاب الزي الرسمي كونهم يمثلون مليشيا ؟ لا شك أننا أمام ثلاثة أجوبة ممكنة و متصورة وهي

أولا : إنها تعمل لجهتها الحزبية و ولائها الجهوي وهذا يعني ضرورة عدم إطاعة الأوامر في حال صدورها من الجهات العليا إذا كانت ضد مصالح حزبها أو جهتها .

بيد أن التسليم بهذا الأمر يوقعنا بالإشكال التالي : إن الوضع العراقي سياسيا و اجتماعيا يخضع لحالة استقطاب و ما يصدق على أي عنصر ذي خلفية بدرية يصدق بالضرورة على كل عنصر آخر . فلا يخلو الجندي أو الشرطي أو غيرهما لمؤثرات الانتماء متساوقا و خاضعا لحالة سياسية عامة هي ما يتمثله الوضع العراقي الراهن . و من جهة ثانية فإننا نستطيع الجزم بندرة الحالات التي تمردت فيها العناصر الأمنية ذات الخليفة البدرية و هنا يرى البعض إن ذلك نابع من كون الحزب السياسي الذي تنتمي إليه منظمة بدر هو من أحزاب السلطة . إلا أن هذا الأمر هو الآخر منقوض فمن ناحية أن المجلس الأعلى الإسلامي ليس هو الحزب الوحيد في السلطة ومن ناحية أخرى يفضي القول السابق إلى متاهة واضحة لا تحل إلا بطرح فكرة الانقلاب على الوضع الحالي برمته و تفكيك المؤسسة الأمنية و العسكرية التي تطلبت الكثير من الجهود للوصول بها إلى النقطة الحالية ، وهذا طرح بالأصل لبقايا النظام السابق وأمنية بعض المأجورين للعمالة المخابراتية الخارجية . و نستطيع القول و الإضافة هنا بأن أحداث البصرة الأخيرة أثبتت أن عناصر من مليشيات أخرى و تحديدا جيش المهدي هي التي تمردت على الأوامر و بعضهم قيادات رفيعة الرتبة أبت تنفيذ التعليمات الصادرة إليها و ليس أدل على أنهم من تلك المليشيا أكثر مما طالب به مقتدى الصدر بتكريمهم و إعادتهم إلى عملهم بعد قرار فصلهم و إحالة البعض منهم للقضاء العسكري .

ثانيا : تكتل عناصر بدر في كتلة مسلحة تعمل تحت غطاء رسمي , وهو أمر لا يقره الواقع فعلى مستوى وزارة الدفاع فهي كما هو معلوم خاضعة لقيادة السنة و أغلب عناصرها القياديين من المستوى الأول و الثاني الآن هم من الجيش السابق . أما على مستوى وزارة الداخلية فمن المعلوم إن أفواج المهمات الخاصة و الطوارئ و التشكيلات المختلفة هم من أولادنا و أبنائنا و أصحابنا الذين دفع البعض منهم مبالغ كبيرة لأجل الانتساب إليها و هؤلاء كلهم ليسوا من بدر إذ أغلب عناصر المنظمة يعملون في فروعها المنتشرة في المحافظات و ضمن كوادر مدنية حزبية و غيرها .

ثالثا : إن قيادة التشكيلات الأمنية هم من بدر وهؤلاء هم المقصود بكونهم مليشيا .

وهذا الرأي يتغافل عن معنى المليشيا التي وضعنا لها تعريفا و تحديدا في بداية المقال . فعلى فرض كون أن كل القيادات الأمنية من فيلق بدر السابق وهو مجرد فرض بطبيعة الحال فإن انطباق وصف المليشيات عليهم غير ممكن . و للآخرين أن يجودوا لنا بتسمية أخرى أكثر إقناعا . إن المليشيا لا يمكن أن تكون مجموعة القادة العسكريين في المؤسسة النظامية فهذا محض من الهراء .

الواقع إن وصف منظمة بدر بالمليشيا أمر غير منطقي و محاولة ترسيخ قناعة أن الكثير من عناصر الأجهزة الأمنية هم من بدر يعد ضحكا على النفس و على ذقون الناس فتعداد فيلق بدر سابقا و مقارنته بعدد أفراد قوى الأمن حاليا لا يترك مجالا لتصور أن لبدر تأثيرا كبيرا . نعم هناك قادة في الأجهزة الأمنية كانوا من فيلق بدر الذي تحوّل إلى منظمة مدنية و لكن في مقابل ذلك فإن لكل حزب قادة مماثلين في الوظيفة و الرتبة و المسئولية . يبدو أن الصدريين و بعد الأحداث الأخيرة التي تمثل تحديا لوجودهم المليشياوي لم يملكوا سوى إضافة جديدة حين أردفوا مطالبتهم بحل مليشيا بدر بمطلب حل مليشيا حزب الدعوة التي لم نسمع بها من قبل . و هذا يؤكد على أن المقصود من المليشيات في تصور الصدريين هو ما جاء في الفرض الثالث الذي سبق ذكره . الحق إنها لمفارقة غريبة و عجيبة إذ يتم إنكار أن يكون جيش المهدي مليشيا مع أنها لم تترك من تعريف المليشيا كما يعرفها العقلاء شيئا يذكر وفي المقابل يختلقون مفهوما جديدا و غير مسبوق لمعناها كي يسقطوه على جهات أبعد ما تكون عن معنى المليشيا . و كأن المطلوب الآن من الحكومة كي تلبي الطلب الصدري و تكون حكومة وطنية وفق الفهم الصدري هو حل الجيش و الشرطة بدل المطالبة بحل مليشيا جيش المهدي و التي تمخضت عنها عصابات للجريمة و القتل و الفتك بالأبرياء و تحميل المدنيين عذابات لا تطاق . بقي القول إن أفراد فيلق بدر الذي كان يقارع النظام السابق في الأهوار و كان مبعث فخر لكل العراقيين الشرفاء قبل التغيير و سقوط النظام البائد هم مواطنون عراقيون و من حقهم الطبيعي أن يوظفوا في أي مؤسسة سواء أمنية أم غيرها و قد جرت عملية انضمامهم إلى المؤسسات بشكل رسمي و بموافقات أصولية ، نعم وجود حالات شاذة هنا و هناك أمر متوقع في ظل الظروف الحالية و لكن ليس لنا أن نقلب الاستثناء إلى قاعدة و نعمم حالات خاصة و محدودة .
____________________________________
 

الرجوع الى الصفحة الرئيسية