لتكن مليشيا جيش المهدي
كمنظمة بدر
عواد عباس الموسوي
حكاية قديمة في متحف ذكريات الجد و الجدة تقول إن شيخ
عشيرة خرج ذات يوم مدججا بالسلاح مع بعض من رجال عمومته
قاصدا إيقاع الـ " دكـة " بمنازل لعشيرة أخرى . و كان
الخلاف قد نشب بعد أن اعترض الـ " مدكوكين " من العشيرة
الثانية على تجاوزات ذلك الشيخ على مساحة من أرضهم
الزراعية . و برغم أن الحق واضح لا خفاء فيه و أن الشيخ
العنتري هو من تجاوز على أملاك الآخرين فإن هذا الشيخ ذهب
ليمطر بيوت أولئك المساكين بوابل من الرصاص و هو يردد "
اليوصل كاعي أنعل والديه " و " الياخذ شبر من كاع الثاني
أطم بيه " .. لا أدري كيف انتهت تلك المشكلة بين العشيرتين
إلا أن أحد السادة الذين توسطوا في الحل في جلسة الأولى
للمباحثات العشائرية الساخنة وجه كلامه للشيخ قائلا : يا
محفوظ ليش ما تصير مثلهم و تنطيهم حكهم .. تره اللي تطلبه
هو اللي يطلبونه منك موش أكثر و اشوفك تكلب السالفة بحجيك
" .
تذكرت هذه الحكاية البائدة و التي كادت تضمحل من ذاكرتي مع
نسياني لتفاصيل أخرى طريفة بعد أن سمعت دعوات التيار
الصدري لمنظمة بدر بأن تحل " مليشياتها " ..! فالمطلب
الصدري مفاده أن تحل منظمة بدر نفسها لتصبح منظمة بدر
نفسها .. هذا مع أن المطلوب أن تحل مليشيا جيش المهدي
نفسها لتصبح منظمة جيش المهدي و تمارس عملها المدني بما
يكفله الدستور و القوانين الجارية . و لكن التيار الصدري
يبدو انه مصر على بقاء مليشياته و الحق أن بقاء المليشيات
هو جزء أساسي من فلسفة الصدريين في ممارسة العمل السياسي
هذا إذا اقتصرنا على المستوى النظري للتفكير الصدري لدى
القيادات التي توجه عمل هذه المليشيات و إلا فعلى مستوى
عامة الصدريين فالوجود المسلح لهم يعود بعوائد و منافع
كثيرة شخصية . ولطالما سمعنا مرارا و تكرارا من قيادات
بارزة و شيوخ منتمين بولائهم لمقتدى الصدر إن وجود ذراع
مسلح أمر ضروري للحفاظ على الخط الصدري العقائدي و عدم
تهميشه من الآخرين . وهو لعمري ينطوي على سخافة و ضحالة
واضحة بل و مفارقة مخزية تنمّ بعدم تفهم الصدريين لمعنى
العمل السياسي و كيفية معالجة الأزمات و التحديات التي
تواجه أي حركة أو تيار أو حزب وهو ينهمك في مزاولته
السياسية . إن التيار الصدري لو كان حقا تيارا عقائديا
شعبيا فلا معنى للإصرار على إبقاء المليشيات المسلحة و
بصراحة فنحن نرى إن وجود المليشيا هو مؤشر للضعف و الشعور
بتخلي الجماهير عنه لا القوة و التأييد الشعبي له . بل و
من هذا المنطلق الأخير يمكن أن نحتكم إلى معيار واضح في
فهم قضية وجود المليشيا . إذ يبدو من الواضع أن الجهات
التي تشعر بالإفلاس و الخسران هي التي تميل إلى تشكيل
المليشيات و العصابات الإجرامية و الإبقاء عليها و تبرير
وجودها بشتى السبل و الأكاذيب و الإدعاءات . في حين تبدو
القوى و الأحزاب الواثقة من نفسها و من تأييد الشارع لها و
من رسوخ قدمها في العمل السياسي هي أكثر من يضيق بالوجود
المليشياوي و نبذ فكرة تكوين المليشيات المسلحة .
إن اتهام التيار الصدري و قيادات المليشيا التابعة له في
الآونة الأخيرة لبعض الأحزاب بكونها تملك مليشيات مسلحة هو
أمر يجري ضمن خانة التبريرات العابثة لتواجد المسلحين في
الشوارع و التابعين للتيار الصدري الذين أسهموا و يسهمون
في بلبلة الأوضاع و إرباكها و تحميل المواطنين الذين
ابتلوا بوجود هذه الحشرات المقززة بينهم و في مدنهم حتى
تسببوا بشكل مباشر في خرابها و اتخذوا منها دروعا واقية
لهم أمام القوات العراقية و الأمريكية التي لا يصمدون في
مواجهتها مباشرة .
إنه لهذيان و هذرمات فارعة حين يتم ربط حل قطعان جيش
المكتب الصدري بحل شيء غير قابل للحل لكونه لا وجود له
واقعا إلا في خطابهم الإتهامي الذي يطلق جزافا . فالجميع
يعلم أن فيلق بدر الذي كان يقاتل النظام البائد في الجنوب
و هذا ما يعرفه أبناء تلك المناطق قد حلّ نفسه و سلّم
أسلحته و منها دبابات و مدافع و آليات و مختلف أنواع
الأسلحة الثقيلة و المتوسطة و الخفيفة ، و تحوّل إلى منظمة
مدنية إيمانا من قياداته بان العمل المسلح كان ضرورة أيام
صدام الذي لم يكن يسمح لأحد بالعمل السياسي . وفي ظل
التغير الجذري الذي حصل بعد سقوط صدام المقبور لم يعد من
حاجة لرفع السلاح و عسكرة الأتباع و الموالين . في النظام
الديمقراطي و الذي تتاح فيه الحرية للجميع كي يمارسوا
العمل السياسي و يعبروا عن آرائهم و مواقفهم لا توجد أدنى
حاجة لرفع السلاح و تشكيل المليشيات المسلحة إلا للمفلسين
الذين لا رصيد لهم و بالتالي يتوسلون طرقا شاذة كهذه ،
إنها محاولة للتعويض عن القوة المستمدة من الشعب حيث لا
يتمتعون بها و يخشون اضمحلال ما هو متوفر منها بقوة الرصاص
و الهاونات و استعراض عضلات الكلاشنكوف و الآر بي جي ..
نتساءل متى يحين الوقت ليفكر مقتدى الصدر و الحفنة المحيطة
به من الذين يحاولون تقمص دور صدام حسين و أزلامه أيام
زمان حين كانوا يلوذون بالصمت و يقبعون بتقيتهم المكثفة و
المكثفة جدا " وهما مصطلحان بالمناسبة لم يكونا معروفين من
قبل و إنما تم التكثيف لمقتضيات التكييف " .. أتساءل متى
يحين الوقت ليفكروا بحل مليشياتهم و يتحولوا إلى منظمة
مدنية جاعلين من منظمة بدر النموذج لذلك التحول ، و الحق
أن تحول فيلق بدر إلى منظمة بدر واحد من أبهى و أبرز نماذج
التحولات الإيجابية في تاريخ العراق المعاصر حيث لم يسبق
أن حدث تحول لقوى مسلحة تسليحا قويا و مدربة تدريبا عاليا
و ذات خبرة طويلة امتدت لسنوات وهي تقارع أعتى نظام طاغوتي
شهدته المنطقة لتصبح منظمة مدنية تمارس عملا مدنيا محضا و
تتحرك على مستوى التوعية و التثقيف و رعاية بعض الأعمال
الخيرية و إقامة المراسيم الدينية و حلقات النقاش الفكري و
السياسي المتنوعة .. إلى آخر النشاطات المعروفة و العلنية
لهذه المنظمة . إن هذه النقطة المضيئة و الباهرة لم يلتف
إليها أحد و للأسف حتى من الأخوة في منظمة بدر و لم ينصفهم
في ذلك جميع من كتب و بحث و حلل الشأن العراقي .
___________________________________